يوسف أبو جعفر يكتب : البيت الأسود
في هذا الصباح الشتوي والرياح والأمطار وبالقرب من المدفأة وكوب القهوة ومن النافذة ترى وتشاهد البرد يطارد الليل قبل بزوغ الشمس تدرك أن هناك من يكره الشتاء لعدم وجود الدفء
يوسف أبو جعفر - صورة شخصية
وهناك من يحلو له البرد ليعيش رومانسية الدفء والمشروب الساخن ويختار مراقبة العالم. شاهدت الأشجار قبل قليل تتراقص مع الريح، أشجار عالية تبدو نخيلًا لكنه ليس من بلادنا، الريح العاصف كذلك ليست من بلادنا.
ماذا تريد الريح وقد انتهت أيام البرد العصيبة لماذا جاءت، عندما شاهدت أغصان الشجر المستوطن حديثًا كان يدور في خلدي أسئلة كثيرة، هذه الريح ماذا تريد؟ ربما تحدثها نفسها باقتلاع النخيل أو الزيتون أم تراها تزمجر فقط لتخيف الشجر المستوطن قد يكون المستوطن الغازي من الأشجار قد دعاها سرًا كي تأخذ مكان الزيتون والتين والصبار والأدهى أن هناك نخلًا مستوطنًا غازٍ من الشرق لا يعطي الثمر ويرتفع في السماء بزهوٍ يتعدى كل الأشجار إذا شاهدته عن بعد أعجبك، لكنك إن وقفت بجانبه أدركت أنك ترى جذعه لا غير لا ظل ولا ورق ولا ثمر.
هذه العاصفة ربما تظن أن بمقدورها اقتلاع الزيتون وقد يحدث أن تسقط شجرة هنا أو هناك، لكنها تأبى الذل وتبقى صامدة، الزيتون من جماله وقوته أنه إذا تألم بكى زيتًا وإذا احترق اشتعل نورًا فكيف لريح عاصفة أن تقتلع كروم الزيتون وجذورها قد خالطت ترابًا مقدسًا.
تبًا لريح تظن أنها السيد، تبًا لريح تأتي في ليلة بردٍ بدل أن تحمل الدفء تهدد باقتلاع وتدمير وتهجير زيتون بلادي ورمانه والتين وحتى عشبه الأخضر الذي بدأ بالظهور قبل أيام.
أذكر أني قرأت في مكان ما قصة شجرتين إحداهما أطاح بها الريح والأخرى صمدت وعندما سألوا صاحبهما كيف ذلك، قال لقد كانت تلك التي سقطت قريبة من الماء ترتوي دون عناء فلم تمتد الجذور وبقيت دون الغوص في الرمال، أما الصامدة فقد عطشت وجاعت فما كان لها إلا أن تحفر الأرض حتى تعيش فجذورها تعمدت بماء الصخر وتمسكت به فلم تطحها الريح وستبقى صامدة.
هكذا هي أشجار البلاد عميقة الأغصان تشرب الزلال وتأبى الاذلال، تعشق الشمس والحرية ولا تخاف من الغيم ولا الريح اغصانها تتمايل قد يتكسر بعضها قد ينكسر غصن أو جذع هنا أو هناك ولكن تأبى الانصياع للريح الغريبة حتى لو جاءت من البيت الأسود.
البيت الأسود هذا يرسل ريحًا ورسلًا وعواصفًا، يحاول أن يزرع الذرة المهجنة مكان النخيل، والخوخوبا مكان الزيتون والباسفلورا مكان التين، ويقنع الناس أن القمح لا يزرع بل يستورد، حتى إذا جاعوا وقفوا بباب البيت الأسود يتوسلون خبزًا وحكمًا، يجلدهم في الصباح ويعدهم أن لا يفعلها في المساء، ولكنه يرسل إليهم مساءً قدموا قربان الولاء.
وحتى نلتقي، البيوت السوداء لا تستطيع الإتيان بخير، لقد بُنيت على الظلم، وجهها الأسود يتشائم منه الصغير والكبير ولا يقبله إلا قليل الأصل الذي يظن أنه يستطيع تغيير قدر الله، ما جاءت حضارة وتقدمت إلا كان ميزان العدل عمرها، وما حاول أحد اقتلاع شجرة إلا ونمت من جذورها غابة أشجار صلبة شامخة شموخ المآذن والقباب، فزيتوننا سيبقى وصبارنا نحبه كله بشوكه قبل الألواح.
من هنا وهناك
-
‘من يتوقف عن التعلّم… يتجاوزه الزمن‘ - بقلم: د. ماهر الحوراني
-
مقال: مبروك عرس الجبهة.. وأمّا بعد! - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي
-
‘زيارة ترامب إلى الصين.. بين تايوان وإيران وإبقاء الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
مقال: ‘الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية‘ منذ اميل حبيبي، مرورا بالتصور المستقبلي وحتى القائمة المشتركة‘ - بقلم : بروفيسور أسعد غانم
-
‘مشتركة رباعية بتوافق… أم خماسية تفرض ذاتها؟‘ - بقلم: هاني نجم - الناصرة
-
مقال: التحركات في الخان الأحمر والقدس والأقصى جزء من ‘رؤية استراتيجية‘ إسرائيلية لحسم الصراع وفرض أمر واقع في سباق مع الزمن!
-
كمال ابراهيم يكتب في بانيت: الاتفاق على تشكيل القائمة المشتركة أمرٌ إلزامِيٌ
-
‘ الأنثروبولوجيا الرقمية.. من القبيلة إلى الشبكة‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
‘ البداية وليست النهاية‘ - بقلم : هادي زاهر





أرسل خبرا