بروفيسور أسعد غانم يكتب: ‘محمد بركة – من أعمدة البيت الوطني‘
تمهلت كثيرا في كتابة النص ادناه، تريثت بعد التحقيق الأخير مع محمد بركة، لم ارد ان اكتب في خضم الهتافات المتضامنة ولا الكتابات السريعة، وانا معها متضامنا وداعما. اردت ان اكتب على مهل، ان اكتب عن تجربتي،

محمد بركة - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت
ان اردّ في سياق أوسع واستعرض بعضا من معرفتي المباشرة ببركة.
لا احب الكتابة عن الاحياء، ولا مديح الأشخاص، مهما علا شأنهم. فعلتها بالماضي قبل حوالي عقدين في مقالة عن الشيخ رائد صلاح، وفي خضم الهجوم عليه وحيثيات اعتقاله، وها انا اعيدها الان، عن بركة، وفي حيثيات التحقيق معه. احترم القيادات الشجاعة والملتزمة والمستعدة لدفع اثمان شخصية مثل الاعتقال، لكنني اقدرها اكثر اذا كانت تدير الأمور بحكمة، ولا تغامر، بل تفكر في التداعيات، في تفويت فرص الانقضاض عليها وعلى شعبها، ومن ائتمنها على حاضرها ومستقبلها، على أبنائنا، وبالأساس على مشروعها الوطني، عما تعتبره هي زبدة ما تريد.
القيادات أنواع واصناف، لكنني اود هنا ان اشير الى صنف نادر، لا يتوفر كثيرا، ويعتقد بعضنا بانه ليس مطلوبا او مرغوبا، لكنني وبعد التأمل في تجربتنا الفلسطينية، قبل النكبة وبعدها، أجده ضروريا للحفاظ على الوجود، لنسج الحكاية المشتركة، لبناء فكرة الحاضر الجماعي والمستقبل الوطني. انها فكرة القيادة القادرة على غزل فكرة الجماعة ومستقبلها بأداء بسيط، وغير متكلف، وقادرة ان تشكل مرتكزا أساسيا لشعور الجماعة بكونها كذلك، جماعة وطنية، لها ماض مشترك، وحاضر مشترك ومستقبل مشترك، وهي حالة نادرة في وضعنا الفلسطيني المتفاقم والمشظى افقيا وعموديا، بسبب الاحتلالات ومشاريعها، لكنه أيضا نتيجة لعوامل داخلية عندنا، في داخلنا وترتيباتها الثقافية والاجتماعية.
أعمدة العمل الوطني الجماعي
بركة برأيي هو من أعمدة العمل الوطني الجماعي، قلّما تجد في تاريخنا قيادة استقرت على الالتفاف حولها كل مركبات الطّيف الوطني، من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، من الأكثر علمانية الى الأكثر تدينا، من الأكثر التزاما بمشروع الرفض الى الأكثر قربا من التسويات والقبول بما هو معروض علينا كشعب. هل هنالك مثل هذا في تاريخنا؟ ممكن، لكنهم قلائل. يني يني؟ إبراهيم نمر حسين؟ احمد شقيري في مرحلته الأولى؟ هل هنالك الان شخصية فلسطينية بهذه المواصفات؟ لا اعرف، واشك في ذلك. حظي بركة من خلال منصب رئيس لجنة المتابعة بما لم يستطع احد من قبله وصوله. انها علامات القوة وتمثيل النص الوطني الجماعي كما هو، كما يتم التعبير عنه في الاختلافات والتباينات، وجرى ذلك مع الإعلان المسبق لبركة بانه ملتزم بخط الجبهة والحزب، فكيف يكون ذلك؟ اذا لم يكن نهجا عينيا ومبدعا في فن إدارة الحال الجماعي؟ اعرف ان البعض يعتقد بان ذلك من علامات الضعف والرضوخ للحلول الوسط، لكنني أقول، ما اكثر التجاذبات والنقاشات لدينا، وما احوجنا الى مشروع ناظم يوحد بيننا، يعظم المتفق عليه ويجعله معولا للعمل الجماعي، من غير إخفاء الاختلافات ولا التنازل عنها – انها الفكرة الناظمة لوجود المجموعة الوطنية، وربما تكون قارب النجاة نحو مستقبل افضل.
لا انوي هنا كتابة مديح او نقد لمواقف ونضالات بركة، اعرف جزءا منها، وقد اجهل جزءا اخر، اعرف ان الكثيرين كتبوا عنه وعنها، سلبا اوايجابا، مدحا اونقدا. راقبته كباحث وكناشط واعرف دوره منذ يوم الأرض الأول، وتجربة تنظيم الطلاب الجامعيين العرب، مرورا بكل نضالات شعبنا، وكان له دورا مركزيا بها كلها. عرفت بعض جوانب نشاطه ضد الاحتلال وضد الهدم والمصادرة، وفي النقب، وفي القدس، والحرب على غزة وغيرها الكثير. اعرف انه تعرض مرارا للاعتداء من الشرطة وحرس الحدود، واعرف انه اختنق غضبا عندما اعتدت الشرطة على نجله. وانه ضحى كثيرا، وانه عمل كثيرا وممكن انه كان يستطيع اكثر من ذلك. استمع من أصدقاء لي عن تضحياته، ومن بعضهم نقدا لحراكه ودوره ولنمط قيادته. هذا المقال هو عن تجربتي الشخصية معه، وليس عن تقييم تجربة بركة، ومدحها او نقدها. انها عن تجربة تعظيم دور لجنة المتابعة في المجال المهني، كما جربتها بنفسي.
"تنظيم القيادات البشرية"
تعرفت على بركة عن كثب بعد تسلمه منصب رئيس لجنة المتابعة عام 2016. كانت مرحلة صعود الفاشية ومرحلة مخاضها لتتحول لاحقا الى وحش الابادة والتطهير العرقي في غزة والضفة والنقب، كانت اول المشاريع كتابة نص الكتروني عن تعليم المدنيات، على خلفية سياسات وزيري التعليم في تلك الفترة، بينيت وساعر، لتدجين التعليم عموما وجعله أداة لإعادة بناء الفكرة الصهيونية لدى اليهود من جهة، ولإعادة تدجين العرب من الجهة الأخرى، ومن خلال بناء منهاج تعليمي مضلل في التاريخ والمدنيات. نجحنا وبدعم معلمين ومختصين عرب في وضع نص بديل، إضافي يستطيع المعلم والطالب والاهل اللجوء اليه لتعلم أسس الديمقراطية والمواطنية، على الأقل لمقارنته مع النص المضلل والذي يجبر الطلاب عليه حسب منهاج التعليم الرسمي.
بعد تلك التجربة، بدأنا بتطوير فكرة مشروع "تنظيم القيادات البشرية" مع العشرات من أبناء وبنات شعبنا. قاد بركة عملية التفكير الأولية مع بعض الزملاء، وبعدها انطلقنا في تنظيم المؤتمر. عملية التحضير استغرقت اشهر وتكللت في "مؤتمر الطيبة الأول"، شارك بركة في كل الاجتماعات التحضيرية والنقاشات، وطبعا في التحضيرات الجوهرية والتقنية، لم يتخل عن دوره كقائد للجنة المتابعة وللمشروع. صحيح انني قدت التحضيرات العملية – مع رفيق الحاج وسامي ميعاري- لكنني قدت المسار بتنسيق يومي مع بركة. لم يتوان يوما ولا ساعة، لم اشعر بثقل من طرفه، برغم النشاط اليومي المضاف لمهامه الأخرى. كنت اعاتبه في كذا وكذا، اطلب لقاءا الساعة السابعة صباحا او التاسعة ليلا لتنسيق الخطوات. دائما كان حاضرا في بيته او في أماكن عامة. نجحنا مع عدد كبير من المساهمين والمساهمات في تثبيت ساحة من اللقاء الفعلي لقدرات مهنية وثقافية عربية بشكل غير مسبوق. أثبتنا ان التفاف القوى المهنية تحت لجنة المتابعة وكجزء من تنظيم قدرات مجتمعنا هو امر ممكن وناجز. عملت طواقم وكتبت تقارير واستمعت قياداتنا الى أفكار قديمة او جديدة تضعها طواقم مهنية واكاديمية، همها الأساس هو ترشيد او المساهمة في ترشيد العمل الوطني...
مشوار اخر
بعد ثلاث سنوات اعتذرت انا عن قيادة المشروع لأتفرغ لإتمام كتابي عن الحركة الوطنية الفلسطينية بعد أوسلو، ولكنني تفاجأت بعد فترة بتوجه محمد بركة لي لترأس اللجنة العلمية لصياغة مشروع "استراتيجي لمكافحة العنف والجريمة"، ترددت قليلا، لكنه اصر وقبلت بذلك. كنت قد شاركت قبل ذلك بعشرات اللقاءات الاكاديمية والشعبية حول العنف والجريمة، واكثرت منها قبل ذلك بعقد ونيف على ضوء تفاقم ظاهرة العنف، وحاولت ان اقدم رأيي من خلال عشرات اللقاءات الصحفية.
قبلت وبدأنا مشوار اخر واضافي في محاولة لصياغة تصور متكامل يضع تصور لاطار لمكافحة العنف والجريمة. مرة اخرة التقت طواقم مهنية واكاديمية في عشرات الورشات واللقاءات، وعلى مدار سنتين، وصاغت تباعا أفكارا لتصور يشمل خمسة عشر مجالا. رافقت المشروع لجنة توجيه، ولجنة علمية، وطواقم في كل مجال ترأسها مختصون ومختصات من المجالات المختلفة. ركزت الموضوع ونسقته، لكن بركة لم يتخلف ولا عن أي اجتماع او لقاء: في النقب، في المدن المختلطة، في المثلث والجليلين، كان دائما هناك، ليفتتح الجلسات، ليدلي برأيه وملاحظاته، وليشكر جهود الطواقم المهنية، بشراكة حوالي 150 مختص ومختصة في كل المجالات التي طرقناها، والمركزين الذين قاموا بجل العمل وكتبوا التوصيات وقادوا النقاشات المهنية وعرضوا أفكارهم في لقاءات لجنة التوجيه.
عرضنا النتائج وقمنا بتمريرها، بقرار من المتابعة، للجنة الرؤساء وللمجالس المحلية، وهذا ما كان. وبعدها عقد مؤتمر سخنين لحتلنة النتائج وتقديم تصورات اكثر وضوحا في كيفية بناء تصور متكامل لأدوات استراتيجية تساعد السلطات المحلية على اخذ دورها في رفع مستويات الحصانة المجتمعية. من ناحية بركة، كان مؤتمر سخنين بمثابة لقاء وداعي لأنه قرر قبل ذلك ترك منصب رئيس المتابعة. بركة لم يترك المجال العام، بل ترك منصبه، واستمر في المشاركة الفعالة في نشاطات شعبية وحزبية وسياسية عامة.
"تناقشنا وتجادلنا"
لا انكر انني اختلفت معه في قضايا سياسية وتكتيكية وحتى إنسانية واجتماعية. قلت له رأيي وقال لي رأيه.. تناقشنا وتجادلنا.. وانا لا احمل أي وصف وظيفي في لجنة المتابعة ولا في المجال العام. اختلفنا في المشروع السياسي، وفي بعض جوانب المشاريع. كان يعاتبني على رأيي الحاد في بعض الأمور او في التعامل مع بعض الأشخاص والنشطاء. طبعا، كل ذلك جرى والمسئولية الرسمية والشعبية تقع عليه. لكنه كان دائما منفتحا لرأيي ولخياراتي واستطيع ان أقول لقراراتي في كل جوانب النشاط الذي قمت به. لم اسمع منه تأففا ولا غضبا ولا حتى حدة في موقف او قرار، كان دائما لينا ومنفتحا، مضيافا "فلاحا" بالمعنى الاصيل. فتح بيته، وشغل اهله في جوانب عامة. لكنه كما لقيته اول مرة، ملتزما بالعمل الوطني والجماعي كما يليق بأحد أعمدة البيت الوطني.
اكتب هذا انصافا لبركة، لكنني كذلك اسوقه كمثال، مثال نحن بحاجة ماسة اليه في ظرفنا الدقيق للغاية. نحن بحاجة لتقديم المشترك على المختلف، بحاجة لتنسيق عملنا اكثر. للتنازل قليلا في الاختلافات وتقديم الجماعي والجامع، ولو قليلا. لن ننجو بفعل موقف هنا وهناك، لكننا بالتأكيد نساهم في تعضيد وجودنا اذا قمنا بترتيب بيتنا، بتنظيم مؤسساتنا وبتنجيع العمل الجماعي. لي ملاحظات على عمل محمد بركة، وقد تكون كثيرة وقد اكتب نقدا لاحقا حول ذلك، لكنها لا تلغي الأصل، لا تفوت الأساس، نحن بحاجة لأعمدة وطنية لكي نصمد أولا.. ونرفع السقف الوطني تباعا...
بروفيسور أسعد غانم
من هنا وهناك
-
أمير مخول يكتب في بانيت: التوتر الاسرائيلي الأمريكي بصدد لبنان ودور سوريا وتزايد احتمالية تأجيل الانتخابات
-
خالد رغدان يكتب: الإدمان.. عندما تتحول اللذة إلى عبودية خفية
-
‘ضياع استراتيجي: نتنياهو يفقد القدرة على الخروج منه أمير مخول، مركز تقدم للسياسات‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘ هل ستُعيد الاحتجاجات داخل إيران رسم خرائط المفاوضات النووية؟ ‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘مستقبل النظام الإيراني بين شعارات المدعين ومطارق قوى المقاومة‘ - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘الهكر والروابط الإلكترونية والجرائم السيبرانية‘ - بقلم: محمد فؤاد زيد الكيلاني
-
‘خالد أبو عصبة: فكر وانتماء وتواضع‘ - بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
‘الرئيس دونالد ترامب: القيادة النرجسيّة التي تحكم عالمنا الحاضر‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
بروفيسور أسعد غانم يكتب: في وداع أبو النعمان (خالد أبو عصبة)
-
‘عندما أبكاني نشيد وطن ليس وطني‘ - بقلم: منير قبطي





أرسل خبرا