مقال: ‘قبل أن تحاربوا العنف... حاربوا الفساد‘ - بقلم: د. عطوة ابو فريح
يشهد المجتمع العربي في الداخل تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف والجريمة المنظمة، حتى تحولت شوارعنا وأحياؤنا إلى ساحات مفتوحة للخوف، وأصبح خبر القتل جزءًا من تفاصيل يومية اعتدنا سماعها،
د. عطوة ابو فريح باحث ومحاضر في العلوم الاجتماعية - صورة شخصية
وكأننا نتحدث عن قدرٍ لا يمكن تغييره. مئات الضحايا يسقطون كل عام، تاركين خلفهم أمهاتٍ ثكالى، وأطفالًا أيتامًا، وعائلاتٍ محطمة، إلى جانب الخسائر النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمتد آثارها لسنوات طويلة.
لكن الجريمة لا تبدأ عند ضغط الزناد، ولا تنتهي بسقوط الضحية. فالضحية ليست مجرد رقم يُضاف إلى إحصائية سنوية، بل مشروع حياة ينتهي قبل أوانه. إنها أسرة لم تتكوّن، وأطفال لم يولدوا، وإمكانات بشرية كان يمكن أن تسهم في بناء المجتمع. وإذا افترضنا أن شابًا قُتل في مقتبل عمره كان سيؤسس أسرة وينجب أطفالًا، ثم يكبر هؤلاء ويؤسسون أسرًا بدورهم، فإن المجتمع لا يخسر إنسانًا واحدًا فحسب، بل يخسر أجيالًا كاملة كان يمكن أن تكون جزءًا من مستقبله. إنها خسارة ديموغرافية وإنسانية تتجاوز كثيرًا لحظة وقوع الجريمة.
ولا خلاف على أن الدولة، بمؤسساتها وأجهزتها الأمنية، تتحمل المسؤولية الأولى في مواجهة الجريمة المنظمة، وأن سياساتها، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية وتخطيطية، أسهمت في تفاقم هذه الظاهرة. غير أن اختزال الأزمة في هذا البعد وحده يعفينا من مواجهة جزء مؤلم من الحقيقة، وهو أن داخل مجتمعنا عوامل تغذي هذه الظاهرة وتمنحها بيئة خصبة للنمو.
ومن أخطر هذه العوامل الفساد المالي والإداري، الذي أخذ يتغلغل في بعض السلطات المحلية والمؤسسات التعليمية وغيرها من المؤسسات العامة. فالفساد لم يعد مجرد تجاوزات فردية تُرتكب في الخفاء، بل أصبح في بعض الحالات ممارسة شبه اعتيادية، يتداولها الناس علنًا، ويتحدثون عنها بوصفها أمرًا مألوفًا.
وعندما تتحول الوظائف إلى مكافآت للمحاسيب، وتُفصّل المناقصات لخدمة المقربين، وتُشترى الولاءات على حساب الكفاءة، وعندما تُهدر الأموال العامة بدل استثمارها في التعليم والثقافة والشباب والتنمية، فإن الضرر لا يقتصر على المال العام، بل يصيب منظومة القيم بأكملها. فالفساد لا يسرق الميزانيات فقط، بل يسرق ثقة الناس بمؤسساتهم، ويقوّض الإيمان بالعدالة وتكافؤ الفرص.
والأخطر من ذلك أن الفساد يخلق البيئة التي تبحث عنها منظمات الجريمة. فكل مؤسسة ضعيفة، وكل مسؤول قابل للابتزاز أو خاضع للمصالح الشخصية، يشكل ثغرة يمكن للجريمة المنظمة أن تنفذ منها. ولذلك فإن الفساد ليس قضية منفصلة عن العنف، بل هو أحد أهم العوامل التي تهيئ له وتسمح له بالتمدد.
لكن الخطر الأكبر يبقى أثر هذا الواقع على الأجيال الناشئة. فالأبناء لا يتعلمون القيم من الخطب والشعارات، بل من السلوك اليومي. وعندما يشاهد الشاب أن المنصب يُنال بالواسطة، وأن الفاسد يزداد نفوذًا بدل أن يُحاسب، وأن المجتهد يُهمّش بينما يُكافأ صاحب العلاقات، فإنه يتلقى رسالة خطيرة مفادها أن النجاح لا يحتاج إلى النزاهة، بل إلى النفوذ والالتفاف على القانون. وعندها تصبح المسافة بين الفساد والجريمة أقصر مما نتصور.
ولهذا، قبل أن نوجه أصابع الاتهام إلى شبابنا، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر شجاعة: أي نموذج نقدمه لهم؟ هل نحن، كآباء، ومعلمين، ومديري مدارس، وموظفين، ومنتخبين، ومسؤولين، نمثل القدوة التي نريد لأبنائنا أن يقتدوا بها؟ وهل يمكن لمن يخرق القانون في موقعه، أو يبدد المال العام، أو يوظف الأقارب على حساب الكفاءات، أن يقنع الشباب باحترام القانون ونبذ الجريمة؟
إن مواجهة العنف لا تبدأ فقط بخطط أمنية أو ميزانيات إضافية أو بيانات استنكار، بل تبدأ ببناء منظومة أخلاقية وإدارية تقوم على النزاهة والشفافية والمساءلة. فلا يمكن أن نطلب من الشباب احترام القانون، بينما يتساهل المجتمع مع من يلتف عليه. ولا يمكن أن نخوض معركة ضد الجريمة، فيما نتسامح مع الفساد الذي يمهد لها الطريق.
إن محاربة العنف تبدأ من محاربة الفساد، لأن الفساد والعنف ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل حلقتان في سلسلة واحدة. وكل خطوة نحو النزاهة هي خطوة نحو مجتمع أكثر أمنًا وعدالة، وكل تهاون مع الفساد هو استثمار مباشر في مستقبل الجريمة.
فمن يريد أن يقود معركة حقيقية ضد العنف، عليه أولًا أن يأتي إليها بأيدٍ نظيفة.
من هنا وهناك
-
‘بين دعوة لبنان للسلام وتمسّك إسرائيل بالمعادلة الأمنية ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)‘ - بقلم: اسعد عبدالله عبدعلي
-
المحامي زكي كمال يكتب: قد تنتهي النزاعات السياسيّة.. أمّا الحروب الدينيّة فتبقى أبديّةً
-
‘من اتحاد الشعوب إلى اتحاد النخب؟ قراءة نقدية في صناعة القرار الأوروبي‘ - بقلم: المحامي لؤي زريق
-
‘ شتَّان ما بين النفاق ‘الدبلوماسيّ‘ والحقيقة ‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘سياسة الهدم محاولة لكسر مجتمع لا يَنكسر‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
مقال: انتخابات 2027... هل تبدأ معركة الخلافة الفلسطينية؟ بقلم: علاء كنعان
-
أمير مخول يكتب في بانيت: التوتر الاسرائيلي الأمريكي بصدد لبنان ودور سوريا وتزايد احتمالية تأجيل الانتخابات
-
خالد رغدان يكتب: الإدمان.. عندما تتحول اللذة إلى عبودية خفية
-
محمد برانسي يكتب: دعوة عاجلة لإنهاء الخلاف حول الأرنونا في الطيبة وفتح باب الحوار





أرسل خبرا