قصة بعنوان ‘الحب يشفي الجراح‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
ليس لديَّ ما أكتبه. فكل أفكاري قد استنزفت. وما عادت الأفكار تستجيب ليَّ، رغم توسلي ورجائي لها بأن تساعدني، ولو بالقليل حتى أعود أبدع مثل عهدي بالكتابة.

لم تكن تعصى عليَّ فكرة إن كانت خاطرة أو قصة، كانت الأفكار تنهمر مثل الأمطار في ليلة شتوية غزيرة الأمطار.
لماذا اليوم أترجاها لا تستجيب؟
ربما جفت الأفكار ولم تعد غزيرة كما كانت سابقًا.
بينما كنت بصراع بيني وبين أفكاري، اسألها أن تستجيب لي وهي ترفض. جاء من يحرك الابداع الجامد لديَّ.
جاء حبيب الروح عاهد. الذي طالما كان لي العون بأيام كنت بحاجة ليد تزيل عني تعب تعلق بالأهداب. وكان هو الوحيد الذي ساندني بأي ظرف صادفني.
وهو الوحيد الذي أعاد لي الفرحة التي فقدتها يوم فقدت أخي التوأم بحادث إلى اليوم ما زالت أثاره باقية في مخيلتي، رغم مرور سنوات على تلك الحادثة التي تركت أكبر الأثر في نفسيتي، يومها كنا على سفر، وكانت فرحتنا غامرة، لدرجة رتبنا سويًا حقيبة السفر ووضعنا فيها ملابسنا، وكل ما نحتاجه.
لكن لم يخطر ببالي ولا ببال أحد بأننا سوف نعود من السفر وحدنا دون أخي التوأم.
تعرضنا لحادث سير هناك في تلك البلدة نجونا كلنا إلا أخي الذي أصيب إصابة بالغة، توفى على أثرها.
بكيت حتى جفت دموعي. القهر والعذاب الذي شعرت بهما بتلك الفترة لا يمكن لإنسان أن يشعر به، إلا إذا تعرض للفقدان. فقدان حبيب. أو أخ. أو أب. أو أي فرد من افراد أسرته.
حليم أخي التوأم. اليوم أنا من دونك كطير قصت جناحيه وأصبح عاجزًا عن الطيران.
أشياء كثيرة اختلفت في حياتي منذ موت أخي. بصراحة لم أعد ابتسم إلا نادرًا. وكثير من الأحيان تكون الابتسامة باهتة لا لون لها ولا روح.
بعد فترة عدت للعمل، وعادت حياتنا بشكلها المعتاد. لكن لا أحد يعلم مدى الحزن الذي لم يزايلني، وقد حفر له اخدودًا داخل الروح وسكن هناك، ربما وجد له المكان حتى يستقر بين أضلعي.
حاولت كثيرًا أن أعود نفسي على فقدانه، وأن أعيش حياتي مثلما كانت قبل هذا الحادث المشؤوم. قبل أن أفقد توأمي.
لكن الحياة تجبرنا على العيش حتى لو كان غصبًا عن ارادتنا.
دخل عاهد بهدوء، حاملاً معه رائحة الطمأنينة التي أفتقدها في غياب أفكاري. نظر إلى الأوراق البيضاء المبعثرة أمامي، وإلى عينيّ اللتين أنهكهما السهر والبحث عن جملة مفيدة. لم يتكلم فوراً، بل اقترب وجلس إلى جانبي، وامتدت يده لتمسك بيدي الباردة. كانت لَمسته كفيلة بأن تضخ الدفء في عروقي المتجمدة.
قال بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة اليقين: ما زالت الحروف مشتاقة إليكِ، يا حبيبتي، فلماذا تهجرينها؟
نظرتُ إليه والدموع تكاد تفر من مآقيّ، وقلت بنبرة مخنوقة: لقد جفت الينابيع يا عاهد. حليم أخذ معه كل الكلمات، ولم يترك لي سوى الصمت. كيف أكتب عن الفرح وأنا مكسورة الجناح؟
ابتسم عاهد ابتسامته الحانية التي أرى فيها أمان العالم، ومسح على شعري قائلاً: الكتابة ليست فرحاً دائماً، بل هي أحياناً صرخة الوجع التي تحررنا. حليم لم يأخذ كلماتكِ، بل ترك لكِ أمانة؛ ترك لكِ روحه الطاهرة لتعيش في سطوركِ. إنه لا يريد لتوأمه أن ينطفئ.
كلماته هذه تغلغلت إلى عمق الأخدود الحزين الذي حُفر في روحي. لأول مرة منذ سنوات، شعرتُ أن هناك من يفهم أن حزني ليس اعتراضاً على القدر، بل هو شوق ينبض. تلاقت عيناي بعينيه، ورأيت فيهما حباً كبيراً، حباً يتسع لكل انكساراتي، صبوراً لا يملّ من صمتي، وقادراً على ترميم ما تهدم فيّ.
أمسك بالقلم، ووضعه بين أصابعي، ثم أحاط يدي بيده، وقال: اكتبي عن حليم. اكتبي عن الحادث، عن الحقيبة التي رتبتماها معاً، وعن الطير الذي سيحلق مجدداً لأن هناك جناحاً آخر نبت له.. أنا جناحكِ يا حبيبتي، ولن أترككِ تسقطين.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء يتكسر في داخلي؛ سدٌّ منيع من الخوف والإنكار انهار فجأة. انهمرت دموعي بغزارة، لكنها لم تكن دموع قهر هذه المرة، بل كانت دموع غسيل للروح. ومع كل دمعة تسقط، كان الحبر يتحرك في عروق القلم.
بدأتُ أكتب. تحركت يدي بسلاسة لم أعهدها منذ رحيل توأمي. كتبت عن حليم، عن ضحكته، عن غيابه، وعن عاهد الذي وقف كمنارة في عتمة أيامي. امتدت السطور وتزاحمت الأفكار كأمطار الشتاء التي تروي أرضاً عطشى.
عرفتُ حينها أن الإبداع لم يمت، بل كان يحتاج إلى الحب الحقيقي لينفض عنه رماد الحزن. الحب الذي قدمه لي عاهد كان الدواء الذي طهر جراحي، وجعلني أدرك أننا لا ننسى الراحلين، بل نتعلم كيف نعيش من أجلهم، ونخلد ذكراهم بالكلمة الجميلة.
نظرتُ إلى عاهد والابتسامة هذه المرة لم تكن باهتة، بل كانت نابعة من قلبي، وقلت له: لقد عدتُ.. لأن حبك شفى جراحي.
من هنا وهناك
-
الطالبة الحكيمة | قصّة للأطفال بقلم: زهير دعيم
-
قصتان قصيرتان - بقلم: زياد شليوط من شفاعمرو
-
قصص قصيرة ‘خطوات معلقة بين زمنين‘ - بقلم: اسعد عبدالله عبدعلي
-
‘شهادة الزيتون‘ - بقلم : هادي زاهر
-
زجل ‘لهم عيون لا تُبصِر وآذان لا تسمع‘ - بقلم: اسماء طنوس من المكر
-
‘ يَا رَبّْ إرْحَمْ عَبِيدَك ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘ مِدادُ القلب ‘ - بقلم: زهير عزيز دعيم
-
قصة بعنوان ‘استراحة محارب‘ - بقلم الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘أزهار وأشواك - بدايات‘ - بقلم : كاظم ابراهيم مواسي
-
موشحات للربيع - بقلم: أسماء طنوس من المكر





أرسل خبرا