‘بين سياسة الحرب وحرب السياسة‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
وتأبى الحروب وخاصّة تلك منها في السنوات الخمس الأخيرة ابتداءً من حرب أوكرانيا عام 2022 إلى الحرب في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، والحربان مع إيران في حزيران 2025 وآذار 2026 والحرب في لبنان والتي ما زالت دائرة

حتى ساعة كتابة هذه السطور، وقبلها عامّة حرب العراق وإيران عام 1980 وحروب الخليج ضد العراق وحرب عاصفة الحزم في اليمن بمشاركة دول الخليج إلا إن تثبت على أرض الواقع، خطأ المقولة التاريخيّة المشهورة "إن الحرب قضيّة جديّة لا يمكن تركها للجنرالات".
وهي اقتباس شهير لرئيس الوزراء الفرنسيّ الأسبق جورج كليمانصو والذي قاد فرنسا بين الأعوام 1917-1920 خلال الحرب العالميّة الأولى، والتي أراد منها الإشارة إلى ما كان مفهومًا ضمنًا حينها على الأقلّ، أن قرارات الحرب والسلام يجب أن تبقى صلاحية مطلقة أو أساسيّة للقيادات السياسيّة المنتخبة، والتي تعبر قراراتها عن إرادة الشعب، لا أن تصبح حكرًا على المستوى العسكريّ الذي يرى بشكل أساسيّ الجوانب الأمنيّة والعسكريّة ويسعون لتحقيق أهداف هي عسكريّة خالصة وصرفة، بعيدًا عن الشموليّة، التي تميّز أو من المفروض أن تميّز، رؤية السياسيّين الذين يدركون أن الحرب تتطلّب إدارة شاملة للاقتصاد، والدبلوماسيّة، والمعنويات الوطنيّة. وهي مجالات أوسع من التكتيكات العسكريّة التي يجيدها الجنرالات على حدّ قولهم، وبكلمات أخرى إن الحروب يجب أن تتم وفق رؤية استراتيجيّة شموليّة واضحة تأخذ بالحسبان كافّة المعطيات، وان تتم وفق أهداف واضحة مسبقًا يمكن قياسها والتأكّد ممّا إذا كانت قد تحقّقت أم لا، وتأخذ بالحسبان كافّة الأبعاد السياسيّة والاقتصاديّة وحتى الإنسانيّة وغيرها، فتأبى الحروب إلا أن تثبت أنها اختصاص الجنرالات لاعتقادهم أنهم أسياد البلاد وحماتِها وأصحاب القرارات الأمنيّة دون غيرهم، حتى لو ادّعى السياسيون أنهم هم السلطة العليا وأصحاب القرار .
ومن هنا ليس صدفة أن يكون القائد الأعلى للجيش الأمريكيّ مثلًا هو الرئيس الأمريكيّ، رئيس البلاد السياسيّ، وليس القائد العسكريّ أو المستوى العسكريّ، لكن السنوات الأخيرة تؤكّد أن الحروب هي قضيّة جديّة، ومن الخطورة بمكان، وربما من قبيل المأساة أحيانًا منح السياسييّن والقيادات السياسيّة صلاحيّة وإمكانية إعلانها وتحديد مجرياتها، لأنها قد تميل لأسباب واضحة ومعروفة إلى تغليب المصالح السياسيّة وتفضيلها على أرواح الشعوب، وإلى إطالة أمد الحرب دون غايات استراتيجيّة حقيقيّة، وإنما لحسابات شخصيّة وخاصّة، علمًا أن احتكار صلاحية إعلان الحرب والتحكّم بمجرياتها للسياسيّين كما هو الحال اليوم في أمريكا والحرب مع إيران، وإسرائيل والحرب على جبهات إيران وغزة ولبنان، قد يعني جرّ الدولة إلى حروب أو حرب دون إجماع قوميّ من جهة ودون أهداف واضحة لدخولها من جهة أخرى، وكم بالحريّ إذا كان الحديث يدور عن امتلاك قيادات دينيّة لصلاحية إعلان واستمرار الحرب كما في إيران وحماس وحزب الله، وما يعنيه ذلك من خسائر فادحة تستنزف موارد الدولة وتوجهها نحو التسلح والدمار بدلًا من توجيهها نحو التنمية، الصحّة، والتعليم، والخسائر البشريّة والتي قد تصل أو وصلت إلى إيقاع الآلاف من الضحايا والجرحى والمشرّدين، وفي الحرب العالميّة الثانية أوقعت ملايين الضحايا، لتتحوّل هذه المعطيات الخطيرة من قتلى وجرحى ولاجئين جرّاء الحروب إلى مجرد ارقام، لا يتورّع السياسيّون عن استخدامها لتبرير استمرار الحرب، كما جرى مثلًا خلال كلمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مطلع هذا الأسبوع، والتي أعلن فيها بفخر السيطرة على قلعة البوفور (الشقيف) في جنوب لبنان، وتركيزه الواضح على عدد من قتلهم الجيش الإسرائيلّي من مسلّحي حزب الله، والتركيز قبل ذلك وخلال الحرب في غزة على أعداد القتلى من مسلّحي حماس، دون الخوض الحقيقيّ في أهداف الحرب، أو تلك النتائج التي سترافق هذه الحرب، دون ذكر أهداف واضحة أصلًا لهذه الحرب أو غيرها، ففي نهاية المطاف من يقرّر مصير هذه الحروب التي تشنّها إسرائيل، هو الرئيس الأمريكيّ وحده، لأن إسرائيل أصبحت عمليًّا الولاية الأمريكيّة الحادية والخمسين في عهد اليمين الإسرائيليّ.
مستنقع استنزاف طويل الأمد
تجدر الإشارة هنا إلى أن أخطار ومخاطر الدخول إلى حرب دون أهداف واضحة وربما دون أهداف أصلًا، تبدو واضحة اليوم خاصّة في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وملخّصها الواضح للعيان أن الدخول في حرب دون أهداف محدّدة، وليس ذلك فقط، بل دون استراتيجيّة واضحة للخروج منها، قد يطيل زمن ومدّة الحرب ويدخلها في مستنقع استنزاف طويل الأمد، تغيب فيه معايير الانتصار، أو تلك المعايير التي يمكن معها وبتوفرها الإعلان عن انتهاء الحرب، ناهيك عما يسبّبه ذلك من استنزاف للمقدّرات والقدرات والأرواح بين المدنييّن والعسكريّين، والتكلفة الاقتصاديّة وربما أبعاد سياسيّة خارجيّة منها فقدان الدعم الدوليّ وعدم وضوح ملامح اليوم التالي، وربما الوصول إلى استمرار الحرب في حالة تعرف في العلوم العسكريّة والسياسيّة بـ "حرب اللا نهاية" أو "الحروب المفتوحة"، وهي حروب تنتهي في معظم الأحيان بتسويات مفروضة، تكون تكلفتها أضعاف ما كان يمكن تحقيقه عبر الدبلوماسيّة المسبقة، وهذا ما يحدث اليوم ورغم الحديث عن مفاوضات بين الطرفين سمتها البارزة والتي لا يمكن إخفاؤها بحيل إعلاميّة، عدم الوضوح والتخبط بفعل عدم وضوح الأهداف التي دخل ترامب من أجلها الحرب والتي تتراوح بين منع التسلّح النووي ومنع مشروع الصواريخ بعيدة المدى وإسقاط النظام وبين فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا أصلًا قبل الحرب، وبالتالي يسود جوّ من التخبّط، وعدم الوضوح وتتبدّل التصريحات يوميًّا، ويعلن ترامب موعدًا نهائيًّا ثم يستبدله بموعد نهائيّ آخر، عبر تأجيل يليه تأجيل، ما لا يعبر عن فهم أو وضوح أو ذكاء استراتيجيّ أو عن حيرة حول اختيار الخيار أو البرنامج أو السيناريو الأفضل ضمن مجموعة خيارات، بل عن تأرجح تكتيكيّ سببه أمران، أوّلهما حسابات سياسيّة صغيرة وضيّقة بعيدًا عن مصلحة البلاد، وثانيهما يأس من تحقيق النتائج التي كان أعلنها مسبقًا وفق رؤيته الضيقة للعالم واقتصارها على جهتين، فإمّا معي أو ضدّي، وإما النصر التامّ أو التدمير التامّ، ورؤية الأمور السياسيّة والعسكريّة بمنظار الأبيض والأسود، دون رؤية ضرورات أو إمكانيّات المساومة والتنازل والحلول الوسط، ولذلك فإنه لا يرى خيارات أو سيناريوهات عديدة لحلّ الخلاف، بل يحصرها في خيارين أوّلهما وهو الذي يفضله، أو ربما يتمناه ترامب، اتفاق يشمل تنازل إيران عن السعي إلى سلاح نوويّ يقابله رفع القيود عن الأصول الماليّة الإيرانيّة المجمّدة والتي تقدر بمئات مليارات الدولارات التي ستتدفّق على الاقتصاد الإيرانيّ، وترفع من المستوى الاقتصاديّ وتمكّن إيران من شراء أسلحة حديثة معظمها من الولايات المتحدة وذلك للحفاظ على قوّتها ودعم المنظّمات الموالية لها ومنها حزب الله، وخفض أسعار النفط عبر فتح مضيق هرمز وغير ذلك، رغم أن ذلك يعني إبقاء طهران أقوى ممّا كانت عليه قبل الحرب. أما الخيار الثاني ووفق رؤية ترامب ثنائية القطب، فهو العودة إلى الحرب وسط تهديدات إيرانيّة متزايدة من أنها ستعمل على تدمير منشآت الطاقة في الخليج، ويشمل ذلك البحرين وقطر والسعوديّة والإمارات والكويت، واستمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، لتبلغ ربما ضعف ما هي عليه اليوم، وما يعنيه ذلك على أمريكا من كارثة اقتصاديّة وعلى ترامب من كارثة سياسية خاصّة مع اقتراب انتخابات منتصف المدّة في تشرين الثاني القريب.
"الضبابيّة البناءّة"
بالمقابل ومن باب المجاملة السياسيّة أو ربما البحث عما يمكن تسميته قضائيًّا "الظروف والعوامل المُخَفِّفة" أو التِماس الأعذار للرئيس الأمريكيّ الحاليّ، الذي يجد نفسه أمام ضغوط داخل إدارته وداخل الحزب الجمهوريّ، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار في أسواق الطاقة العالميّة والاقتصاد الأمريكيّ، هناك من يميل إلى قبول توصيف آخر لتصرفاته المتأرجحة وسياساته غير الواضحة، إذا أمكن وصفها بذلك أصلًا، والقول بأن دونالد ترامب يتبنّى عمليًّا استراتيجيّة سياسيّة هي نظريّة "الضبابيّة البناءّة" (Constructive Ambiguity) أو الغموض البناء، والتي وضع أسسها وزير الخارجيّة الأمريكيّ الأسبق هنري كيسنجر، وتهدف بالأساس إلى احتواء الصراع وإدارته والحيلولة دون انفجاره وليس حلّه، أي تمرير الأزمة وإتاحة المجال للتهدئة، مع إبقاء كافّة الإمكانيّات واردة من جهة، أي الحديث عن اتّفاق وفي نفس الوقت ممارسة الضغط العسكريّ عبر عمليّات عسكريّة موضعيّة ومحدودة والضغط الاقتصاديّ خاصّة وأن الإدارة الأمريكيّة فرضت عقوبات اقتصاديّة مؤخّرًا، على شخصّيات وهيئات اقتصاديّة وأخرى إيرانيّة، والاعتماد من جهة أخرى على تصريحات تشمل كلمات تحتمل أكثر من تفسير ومعنىً لتبدو وكأنها حلّ يرضي جميع الأطراف المتنازعة وتمكنها من تجاوز نقاط الخلاف، وتعمُّد إبقاء وتأجيل القضايا المعقّدة والخلافيّة إلى وقت لاحق، والحديث هنا في حالة ترامب وايران عن قضية القدرات النووية الإيرانية، وهذا ما ابتكره هنري كيسنجر، وتحديدًا استخدام العامل الزمنيّ كعنصر فعّال في حلّ القضايا العالقة، من باب الإيمان أن ما لا تقبله الأطراف اليوم قد تقبله بعد حين، ممّا يمنع انهيار المفاوضات الفوريّة. ومواقف أو اتفاقيات تستند الى صياغات غامضة وقابلة للتأويل والتفسير، تسمح بتوقيع اتفاق يمكن لطرفيه اعتباره انتصارًا وفق تفسيرهم الخاصّ، وتسويقه داخليًّا كذلك، وتمرير الأزمات المستعصيّة دون التنازل عن الثوابت، وتحديدًا اتفاقيّات وقرارات يكون نصّها مقبولُا بصيغته العامّة، لكن تفاصيله الصغيرة مبهمة، والمثال الحيّ على ذلك هو القرار البريطانيّ 242 الذى أصدره مجلس الأمن بخصوص مشكلة الشرق الأوسط عام 1967، والذي تمّ فيه قصدًا حذف أداة التعريف من عبارة "الأراضي التي احتلتها"، ليأتي نصّه ملزمًا لإسرائيل بالانسحاب من "أراضٍ محتلة أو احتلتها عام 1967"، وهكذا قبلته كافّة الأطراف وفسّره كلّ منها على هواه وعلى أنه انتصار له واستجابة لكلّ شروطه.
المساعدة الكرديّة ممكنة لكنّها منوطة بحسابات لم يتم أخذها بالحسبان
إسرائيليًّا لا يختلف الحال في هذه الحرب فالأهداف صيغت كلاميًّا بوضوح وبشكل تسويقيّ رائع، يحقّق كافّة المبتغيات الكامنة، ومنها إسقاط النظام الإيرانيّ ووقف المشروع النوويّ وانهاء مشروع الصواريخ بعيدة المدى، وخلق نظام سياسيّ مؤيّد لإسرائيل وتحديد هوية الزعيم القادم وهو نجل الشاه محمد رضا بهلوي وتنصيبه مباشرة عبر حديث عن مشاركة أصدقاء إسرائيل، بغيابهم وربما دون موافقة بعضهم، في ذلك دون فحص الأمور حتى النهاية، فالمساعدة الكرديّة ممكنة لكنّها منوطة بحسابات لم يتم أخذها بالحسبان منها موقف تركيا، والرهان على أن ينفّذ الشعب الإيرانيّ أهداف أمريكا، التي لم ينس الإيرانيّون أنها المسؤولة عن 27 عامًا من سلطة الشاه محمد رضا بهلوي بعد أن أطاحت أمريكا بالحكومة الإيرانيّة المنتخبة ديمقراطيًّا ورئيسها محمد مصدق، وأهداف إسرائيل حليفة الشاه التي دربت ضباطه وزودته بالأسلحة والمشورات العسكريّة والاستخباراتيّة وغيرها، ناهيك عن عدم وضع تصوّر لنقاط الخروج من الحرب سواء تحقّقت الأهداف أم اتّضح أنها غير قابلة للتحقيق، فالحرب بدأت دون أهداف ممكنة، وهكذا اصبح من الصعب اختيار نقطة الخروج، أو تصوّر ما بعد انتهاء الحرب والنظر في كافّة احتمالاتها، والنهاية تمامًا كما في حزيران 2025، حرب دون استراتيجيّة تنتهي بقرار أمريكيّ دون استشارة إسرائيل، ودون تحقيق الأهداف وهو ما تعترف به إسرائيل الرسميّة اليوم، وعلى لسان وزير التربية في حكومتها يوآف كيش أكبر الموالين لرئيس الوزراء نتنياهو والذي اعترف أن إسرائيل لم تحسم أيّ حرب خاضتها سواء في غزة أو إيران أو لبنان، فحروبها منذ 2023 تمّت إطالتها لأسباب سياسيّة. وهناك من يقول إن بعضها تمّت المبادرة إليه لاعتبارات سياسيّة، بخلاف ما كان متّبعًا في الأسبق حيث سعت إسرائيل إلى حروب خاطفة وسريعة وحاسمة تحقّق فيها النصر الواضح كحرب الأيام الستة عام 1967 أو حرب العام 1948 أو حتى حرب أكتوبر عام 1973، دارت وفق منطق دافيد بن غوريون الذي قال إن مبادئ إسرائيل في حروبها تتلخّص في ثلاثة مبادئ سريعة هي الردع قبل الحرب والحسم وإخضاع العدوّ بسرعة خلالها، ومن هنا الأسئلة حول الحرب في إيران وأهدافها أو ربما انعدام أهدافها، ومنها الاعتقاد المسبق أن النظام سيسقط، وما إذا كانت لدى إسرائيل خطة لليوم التالي، خاصّة وأن بقاء النظام يعني أنه سيكون متطرّفًا أكثر ويسعى للردّ وربما للانتقام، فهل يعني ذلك أن إسرائيل ستجد نفسها أمام جولات عسكريّة متكرّرة مع إيران، بالضبط كما حدث وربما سيحدث مرّة أخرى في غزة، وهل لدى إسرائيل خطّة لإخراج اليورانيوم المخصّب من إيران إذا انتهت الحرب، وتمّ التوصل إلى اتفاق لا يرضي إسرائيل وربما يُبقي اليورانيوم في يد النظام الذي تضرّرت قدراته العسكريّة والصاروخيّة لكنها لم تُبَد، وفوق ذلك هل ستتواصل المعركة في لبنان وشمال إسرائيل حتى استسلام حزب الله، أو تسليم سلاحه للجيش اللبنانيّ وهما هدفان لن يتحقّقا، سيَّما والدولة اللبنانيّة الرسميّة لا تملك إمكانيّة أو قدرة لإجبار حزب الله على تسليم سلاحه، لأنه بسلاحه وقراراته ملكٌ لإيران وينصاع لأوامرها، تمامًا كما الحال مع الدول العربيّة الأخرى التي لن تستطيع حتى لو اجتمعت، نزع أسلحة المنظّمات المسلحة الشيعيّة في اليمن وسوريا ودول الخليج الأخرى بسبب عجز هذه الدول عن مواجهة إيران وخوفها منها بما فيها دول الخليج التي تضرّرت كثيرًا في الحرب الأخيرة مع إيران، أم ستنتهي بالتوازي مع انتهاء الحرب ضد إيران، وهو ما يؤكّده إعلان ترامب أنه منع إسرائيل من قصف الضاحية الجنوبيّة، لأن من شان ذلك إفشال الاتفاق المتبلور بين واشنطن وطهران، التي كانت هدّدت بوقف المفاوضات إذا قصفت إسرائيل العاصمة اللبنانيّة كما أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، وقبل أن يجبرهما ترامب على التراجع، بعد مكالمة هاتفيّة صاخبة مع نتنياهو وصلت حدّ قول ترامب لنتنياهو إنه "لولا دعمه – دعم ترامب- لكان نتنياهو في السجن، كما ذكرت وسائل الإعلام المختلفة".
عودة إلى ما كان الحال عليه قبل الحرب
وهو الحال أيضًا بالنسبة للحرب في غزة والتي يتّفق الجميع على أنها طالت مدّتها وأن إسرائيل التي هزمت عام 1967 جيوش أربعة دول عربيّة ليست بحاجة إلى عامين ونصف ولا حتى نصفها لإخضاع حركة "حماس"، لكنها دخلت الحرب وبقرار من القيادة السياسيّة أولًا وانسياق تامّ للقيادات العسكريّة خلفها دون أيّ تحفّظات، بتصريحات إعلاميّة حول هدم غزة وإعادتها إلى العصر الحجريّ والانتقام شرّ انتقام، ولكن دون أهداف محددة وواضحة اللهم سوى الردّ وكيل الصاع صاعين لحركة حماس - وهي عمليًّا موالية كليًّا لإيران وليس حتى لقطر التي موّلتها بعشرات ملايين الدولارات وربما تموّلها اليوم أيضًا عبر المساعدات الغذائيّة والطبيّة- ودون بعد النظر المطلوب والذي يستوجب وضع نقاط أو محطّات للخروج يمكن اعتبارها نهاية للحرب ووضع تصوّرات للفترة التي تلي الحرب، بل حتى رفض كافّة الاقتراحات التي قدّمتها أطراف عديدة عالميّة وإقليميّة لذلك، ودون فحص ما إذا كانت التصريحات العلنيّة التي يمكن وصفها إنها أهداف معلنة، وإن كانت غير حقيقيّة، قابلة للتنفيذ وما إذا كان استمرار الحرب يساعد في تحقيقها أم لا، بعد فحص ما إذا كانت الأهداف المعلنة إعلاميًّا قابلة للتنفيذ، ودون مراجعة ذلك خلال الحرب، ممّا جعلها حربًا مفتوحة أو حربا لا نهائيّة، وسط حديث عن خطّة وضعها قائد المنطقة الجنوبيّة في الجيش الإسرائيليّ الجنرال يانيف عاسور، للعودة إلى الحرب في قطاع غزة، بدعوى أن على الجيش نزع سلاح حركة حماس، وأن ذلك سيتم خلال عشرة أسابيع كحدٍّ أقصى، ما يثير الأسئلة مرّة أخرى حول ما إذا كانت الحكومة الإسرائيليّة وخاصّة رئيسها باعتباره القائد الأعلى للجيش والوحيد المخوّل بإصدار قرار بخوض الحرب، سيُقدِم على شنّ حرب أخرى واسعة في غزة تدوم ثلاثة أشهر وفق التقديرات الأوليّة قبيل الانتخابات البرلمانيّة القريبة، ومن دوافع سياسيّة خالصة يريد منها تحقيق صورة الانتصار، ناهيك عن إمكانيّة وقف إطلاق النار بقرار الرئيس دونالد ترامب ووفق مشروع النقاط الإحدى والعشرين، وبعد مفاوضات مع قطر وتركيا ودول عربيّة وإسلاميّة.
وهو الحال بالنسبة لحزب الله وإيران وحماس، وكلها جهات دينيّة أصوليّة قرّرت دخول الحروب سابقة الذكر دون أهداف واضحة وبعيدة المدى، بل ربما لأهداف وغايات تخدم مصالحها السياسيّة والدينيّة التكتيكيّة قصيرة المدى لإيران الشيعيّة وليس إيران العربيّة، تدور حولها أسئلة كثيرة، تتعلّق بالأهداف بعيدة المدى والتفكير في اليوم التالي ووضع البدائل الممكنة إذا ما فشلت الخطط الأوليّة والمعلنة، ووضع نقاط موضعيّة يمكن اعتبارها مواضع للخروج ووقف إطلاق النار. والنتائج واضحة للعيان اليوم، وهي دمار شامل في غزة وحديث يبدو أقرب إلى أضغاث أحلام حول إعادة الإعمار خاصّة وأن إسرائيل تسيطر اليوم على أكثر من نصف قطاع غزة وتمنع عودة الغزيّين إليه، وهو الحال في لبنان التي تم تهجير سكان جنوبه بمعظمهم وخاصّة المنتمين إلى الطائفة الشيعيّة، وهدم القرى والمنشآت المدنيّة وغيرها، وكذلك إيران التي تعرّضت لضربات عسكريّة وسياسيّة واقتصاديّة ومسّ بالبنى التحتيّة ناهيك عن اغتيال قيادييها ومسؤوليها، وحرب لا تنتهي على الجبهات الثلاث سابقة الذكر، وليس ذلك فقط بل عودة إلى ما كان الحال عليه قبل الحرب، من حيث حالة التوتّر والعداء وانسداد الأفق السياسيّ والدبلوماسيّ وتغذية مشاعر الكراهية ما ينذر بتكرار ما حدث في الماضي، دون تغيير ما سيحدث مستقبلًا.
الربط بين الديمقراطيّة وبين النقاء القيميّ والأخلاقيّ
وعودة إلى ما يحدث في هذا السياق في أمريكا وإسرائيل، باعتبارهما من حيث التعريف على الأقل، ديمقراطيّتين ليبراليّتين، تعيشان اليوم حالة هي أقرب إلى حكم وسلطة الرجل الواحد وتراجع الديمقراطيّة الليبراليّة بمعناها الواسع الذي يشمل قيم الحريّة والمساواة، والليبراليّة الاقتصاديّة، وحقوق الأقليّة بعكس ما يحدث اليوم من حيث دكتاتوريّة الأغلبيّة، والانتقال إلى الديمقراطيّة الشكليّة، أو التصريحيّة والتي تنقلب فيها الموازين أثناء التطبيق اليوميّ على أرض الواقع، بحيث تميل الكفّة نحو الابتعاد عنها، وهو ما كان قد قال عنه العَالِمِ والفيلسوف السياسيّ الأمريكي فرانسيس فوكوياما إنه يشكّل نهاية التطوّر الأيديولوجيّ للإنسان، مضيفًا أن مبادئ الثورتين الفرنسيّة والأمريكيّة- ونحن اليوم على بعد شهر من إحياء الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة في الرابع من تموز عام 1776- خلقتا الشعور أن الديمقراطيّة هذه تعني عمليًّا تحطيم الدكتاتوريّة والثيوقراطيّة والأنظمة المستبدّة، واستبدالها بأنظمة حكم عقلانيّة ومتنوّرة ومنفتحة تساوي بين جميع الناس في الحقوق وتضمن حريّاتهم السياسيّة والدينيّة والشخصيّة والاجتماعيّة، لكن مجريات القرن العشرين وخاصّة الحرب العالميّة الأولى والثانية، وصعود الفاشية والنازيّة وخاصّة المذبحة النازية (الهولوكوست) والهجوم النووي على هيروشيما وناغازاكي، والستالينيّة والأصوليّة الدينيّة كما في إيران وغيرها، تثير التساؤلات حول ما إذا كنّا أمام حالة علينا فيها الاعتراف بأن الحقيقة هي أن الديمقراطية التي جاءت لمحاربة وحدانيّة السلطة وحكم الرجل الواحد قد أنتجت في عدد من المواقع أنظمة ديمقراطيّة ليبراليّة تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسيّ بحيث أصبحت أقرب إلى كونها شكلًا آخر من أشكال الديكتاتوريّة، وأن السنوات الأخيرة في القرن العشرين كشفت ضعف الأنظمة الديمقراطيّة وتراجعها عالميًّا، وفي معظم المواقع دون أن يتجاوز ذلك حتى القارة الأوروبيّة التي حاول مفكّروها الربط بين الديمقراطيّة وبين النقاء القيميّ والأخلاقيّ، ونحن اليوم نشهد تراجع الديمقراطيّة في كثير من دولها وربما الأكثر بروزًا بعد انتهاء حكم فيكتور أوربان في هنغاريا، هي ألمانيا التي يواجه مستشارها فريدريش ميرتس، معضلات حقيقيّة منها تراجع شعبيّته بشكل حادّ، في الوقت الذي يتصدّر فيه حزب "البديل من أجل ألمانيا" استطلاعات الرأي على المستوى الوطنيّ، وهو حزب يمينيّ شعبويّ يدعو إلى منع الهجرة والانكفاء الداخليّ والعودة إلى ألمانيا للألمانيّين.
وختامًا، حروب خمسة منذ العام 2022، وقبلها عمليّات عسكريّة متكرّرة بين إسرائيل وحماس في غزة، تؤكّد المؤكّد وهو أنه عندما تخوض الدول أو الكيانات والجماعات المسلّحة حروبًا دون أهداف واضحة، ودون استراتيجيّة تنظر في كافّة الإمكانيّات والتطوّرات، ومنها اليوم التالي، فإن النتيجة الحتميّة لهذه الحروب، إضافة إلى كونها دامية وهدّامة، أن تتحوّل إلى حروب دون نهاية، أو حروب مفتوحة، تنتهي إلى اتفاقيّات مبهمة لا تضمن الهدوء والسلام، بل تضمن تهدئة أو هدنة هي بمثابة استراحة محارب أو فرصة للاستعداد للمواجهة القادمة، والتي ستعود الأمور بعدها إلى سابق عهدها بل أسوأ ، وكأن الدول والقيادات تستيقظ كل يوم إلى حروب أمسها، وليس إلى غدها. وهذه الطامّة الكبرى، حتى لو كانت هذه الحروب "مزيّنة" بادّعاءات تحقيق السلام والعدل والأمن، كما قال الشاعر والكاتب البريطانيّ ديفيد هربرت لورنس: "البشر يحاربون دائمًا عندما يقولون إنهم يحبّون السلام".
من هنا وهناك
-
‘ اعترافات من قلب المنظومة: الانتفاضة الإيرانية كاختبار وجودي لنظام الملالي‘ - بقلم: عبدالرزاق الزرزور
-
‘ بين ديكتاتورية الحاضر وأوهام الماضي: أين يقف الغرب من مستقبل إيران؟‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
مقال: قوانين الإعدام: هل هي للتنفيذ أم التزامات سياسيّة؟ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘معضلة خطاب النظام الإيراني بين الوهم والمحددات الواقعية‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
مقال: منافسة ثلاثية ساخنة على رئاسة وزراء إسرائيل - بقلم : جمال زحالقة
-
‘الشعب الإيراني على أعتاب النصر‘ - بقلم: عبدالرحمن کورکی (مهابادي)
-
‘ رأيٌ في اللُّغة‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
-
‘من يتوقف عن التعلّم… يتجاوزه الزمن‘ - بقلم: د. ماهر الحوراني
-
مقال: مبروك عرس الجبهة.. وأمّا بعد! - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي





أرسل خبرا