قصة بعنوان ‘خارج السرب‘ - بقلم: الكاتبة أسماء الياس من البعنة
أصوات جاءت من بعيد تقول لي: ثابري لا تتوقفي عند نقطة معينة. للمجد أوجه متعددة وأنت وضعت رجلك على أول درجة في سلم النجاح، لذلك واصلي الصعود نحو الأعلى، هناك الكثيرون الذين يشجعونك ويحبونك،
صورة شخصية
ويتمنون لك النجاح والتقدم، لذلك لا تخافي من هؤلاء الذين همهم تكسير المجداف، أو وضع العصي بعجلات العربة.
أصغيت لتلك الأصوات ربما علمت من أين هي آتية. فقد كنت أعتقد بأني أحلم، والحلم أحيانًا يتحول الى كابوس لكن يا ترى تلك الأصوات هل هي حقيقة أم أنها أضغاث أحلام، فسرعان ما استيقظ على واقع مؤلم نعيشه نحن الفتيات.
الحقيقة وجدت نفسي أنا المدعوة صابرين أمام معضلة يجب فك رموزها. وسؤال يدور بفلك عقلي يبحث عن جواب شافٍ، ربما من خلاله علمت لماذا انا دون كل الفتيات يسمعن تلك الأصوات، ولا يعلمن ما سر تلك الأصوات، ومن أين هي آتية؟
عندما سألت والدتي: لماذا أطلقتم عليَّ هذا الاسم الذي أعتبره غريبًا نوعًا ما؟
فكان جوابها لأن كل خلفتنا بنات وعندما جئت للحياة وقبل ذلك عندما علمنا نوع الجنين قررت أن أطلق عليك هذا الاسم. فقد صبرت على نظرات حماتي لأن خلفتي بنات، رغم أني لست المسؤولة عن نوع الجنين.
وصبرت على الكلام الذي كنت أسمعه من الجيران وأهل البلدة، فقد كانوا يطلقون على والدك أبو البنات.
هذا الكلام لم يؤثر على والدك، فقد كان يقول لهم، بأن كل ظفر من أظفار بناتي عندي بالدنيا كلها. أنت تعلمين يا صابرين بأن المجتمع الذي نعيش به هو مجتمع ذكوري. انسي بأن والدك إنسان مثقف وواعٍ وهو يحبكن كثيرًا ودائمًا يقول بأن البنت رزقة وهي التي تحمل والديها عند الكبر،
لكن البيت الذي ليس به مولودًا ذكرًا بيت تنقصه الحماية والرعاية للبنات اللواتي يعشن به. من يكون السند والعون لأخواتك البنات. كأن الفتاة في هذا المجتمع مجرد أنها فتاة أعين كل الشباب عليها، كأنها طريدة وجاء الصياد لكي يصطادها.
والدك يا صابرين شخص حنون ويحمل بين أضلعه أطيب قلب، كل مرة كنت أنجب بها فتاة كنت أرى امارات السعادة على محياه، ولا مرة شعرت بأنه تضايق أو شعر بخيبة أمل لأني لم أنجب له ولي العهد.
بل كان يجلب لي كل مرة هدية ويقدمها بكل حب وحنية. ويعبر عن فرحته بقوله: لقد جلبت لي أجمل الأميرات.
الاعتناء والمحبة التي كنت ألقاها من والدك هي التي جعلتني اصبر على نظرات حماتي أم زوجي.
ذات مرة والدك كان في العمل
والدي السيد جاسر الفايز معلم قانون في احدى جامعات البلاد. لم يحدث ولا مرة أنه أعجب بأي امرأة غير أمي، فقد كان يقول دائمًا بأن والدتي قد ملكت عليَّ قلبي وحياتي. لن تحلو بعيني أي امرأة مهما كانت جميلة.
جاءت حماتي وبين يديها صور لفتيات صغيرات السن، قالت لي سوف أزوج ابني من إحدى هؤلاء الفتيات ربما جلبت له ولي العهد، وأريد منك أن تختاري أنت التي تناسبك.
ضحكت من تصرفها قلت لها: كيف لك أن تتخيلي بأن اقبل أن يتزوج زوجي من امرأة أخرى، وأنا من يختار له من تقاسمني زوجي، لا يمكن ذلك.
عندما وجدت حماتي ردة فعلي هكذا نهضت من مكانها غاضبة وتوجهت نحو الباب. لكن قبل أن تذهب توجهت نحوي وقالت: سوف أزوجه غصبًا عنك. أغلقت الباب خلفها، لكنها تركت خلفها قلبًا يعتصره الحزن.
مرت الأيام والبيت يغلي فوق صفيح ساخن. كانت جدتي أم جاسر تروح وتغدو كعاصفة لا تهدأ، تارةً بالترغيب وتارةً بالوعيد، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن تضع النقاط على الحروف في جلسة عائلية لم تخلُ من التوتر.
كان أبي يجلس بوقاره المعهود، يرتشف قهوته بهدوء غريب، بينما كانت هي تلوّح بتلك الصور التي أحضرتها سابقاً، قائلة بصوت جهوري:
يا جاسر، العمر يمضي، والجاه والمال يحتاجان لوريث يحمل اسمك. البنات سيتزوجن ويذهبن لبيوت غريبة، فمن سيبقى لك؟ اختر واحدة من هاتين الفتاتين، وسأزوجك إياها غداً!
ساد صمت ثقيل، شعرتُ فيه أن الهواء قد نفد من الغرفة. نظرتُ إلى أمي التي كانت تشيح بنظرها نحو النافذة، تحاول إخفاء دمعة عنيدة ترفض السقوط.
وضع أبي فنجانه ببطء، ونظر إلى والدته بعينين مليئتين بالحزم والحب معاً، وقال:
يا أمي، اسمي محفور في قلوب بناتي، وفي عقول طلابي الذين أعلمهم القانون والعدل. هل تظنين أن ولي العهد الذي تبحثين عنه هو مجرد جسد يحمل اسماً؟
ثم التفت نحوي وناداني بلهجة لم أعهدها منه من قبل، لهجة القائد الذي يسلّم الراية: تعالي يا صابرين. أرني ما كنتِ تكتبين في مذكراتكِ بالأمس.
اقتربتُ بخطى مترددة، ممسكةً بدفتري الصغير. فتحتُ صفحة كتبتُ فيها عن أحلامي، عن تلك الأصوات التي تطالبني بالثبات. بدأتُ أقرأ بصوت في البداية كان يرتجف، ثم ما لبث أن استقوى بوجود أبي خلفي:
أنا لستُ مجرد رقم في تعداد البنات، ولستُ طريدة تنتظر صياداً. أنا ابنة الرجل الذي علمني أن الكرامة لا تُورث بالذكورة، بل تُبنى بالإرادة. سأصعد السلم الذي وضعتم رجلي عليه، ولن تكون العصي التي توضع في عجلاتي إلا وقوداً لتقدمي.
صُعقت الجدة، لم تكن تتوقع أن هذه الفتاة الصغيرة تملك لسان أبيها وحجته. نهضت وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة عن تمرد البنات وقلة الحياء، وخرجت تجر أذيال خيبتها.
في تلك الليلة، وبينما كان البيت يستعيد هدوءه، عدتُ إلى شرفتي المطلة على بيوت القرية. لم تعد الأصوات التي أسمعها غامضة أو آتية من بعيد، بل أصبحت صوتاً واحداً ينبع من داخلي.. صوت "خارج السرب" يغني للحرية والنجاح.
مرت السنوات سريعة كأنها حلم، وتحولت تلك الأصوات التي كانت تطاردني في صغري إلى تصفيق حار يملأ القاعات. لم تكن رحلة الجامعة سهلة، فالعصي التي وضعت في عجلات عربتي كانت كثيرة؛ من نظرات شككت في قدرة فتاة على خوض غمار القانون، إلى همسات كانت تقول إن مكاني الطبيعي هو المطبخ لا منصات القضاء.
لكني كنت في كل مرة أتعثر فيها، أتذكر وجه والدي وهو يقول: أنتِ حماية نفسكِ يا صابرين.
جاء يوم التخرج الكبير. وقفتُ على المنصة مرتدية ثوب النجاح، وكان والدي يجلس في الصف الأمامي، وعيناه تلمعان بفخر لم أره من قبل. وبجانبه أمي، التي صبرت فنالت، وبدت اليوم وكأنها ملكة توجت بصبرها.
حتى جدتي كانت هناك، تجلس بوقارها المكسور قليلاً، وهي ترى الناس يتهامسون بإعجاب عن ابنة جاسر الفايز التي تفوقت على الجميع.
لم تكن قد رزقت بـ ولي عهد، لكنها اليوم كانت محاطة بمهابة حفيدة رفعت رأس العائلة عالياً.
في كلمتي أمام الخريجين، قلت بصوت واثق: قيل لي يوماً إن المجتمع غابة وأنني طريدة، وقيل إن البيت الذي يخلو من الذكور ينقصه السند. اليوم، أقف هنا لأقول إن السند هو العلم، والحماية هي الوعي. نحن الفتيات لسنا طرائد، نحن صانعات حياة، ومجدنا لا يحتاج لشهادة من أحد، بل يحتاج لإيماننا بأنفسنا.
عندما انتهى الحفل، اقترب مني والدي، احتضنني وهمس في أذني: اليوم يا صابرين، أدركتُ أنني لم أُنجب بنات ٍ فقط، بل أنجبتُ مستقبلاً.
عدتُ إلى بيتنا في تلك الليلة، والتحمت الأصوات القديمة بصوتي الحالي. لم يعد هناك غموض، فالمصدر كان دائماً أنا؛ تلك القوة الكامنة التي كانت تنتظر الإذن لتخرج.
أغلقتُ دفتري القديم، وكتبتُ في الصفحة الأخيرة
لقد غردتُ خارج السرب، ليس لأبتعد عن أهلي، بل لأريهم آفاقاً لم يروها من قبل. النجاح ليس نقطة وصول، بل هو رحلة صعود مستمرة، وأنا الآن.. في أول الطريق
من هنا وهناك
-
‘ أُهْدِيكَ إلَهِي حُبِّي ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘خلف تِلال السّنين ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
موشحات ‘أضاءَ شمعتي‘ - بقلم: أسماء طنوس
-
‘ زِخّي وازرعي الأيام فُلًّا ‘ - بقلم: زهير دعيم
-
‘ أوَّاهُ مِنْ ألَمٍ يَنْتابُنِي ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘سلام على المحك‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘ رثاءُ أخي ‘ - بقلم : أسامة مصاروة
-
‘ انتصَارنا فيما يربُطُنَا بحب الله ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘دهاليز الزمن‘ - بقلم : معين ابوعبيد
-
قصة بعنوان ‘بوح تحت الأضواء‘- بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة





أرسل خبرا