قصة ‘ استقالة مرفوضة ‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
تمنيت لو كنت فاقدة الوعي، لا أسمع ولا أرى، ولا اتألم ولا أتوجع. اقرأ ولا أفهم فحوى ما كتب. أريد الاستقالة من الحياة، لا أريد أن تعطيني أي تبرير، بأن الذي أراه يختلف اختلافًا جوهريًا عما هو بالواقع.
الكاتبة اسماء الياس
لأن الألم الذي ينتابني عند سماع أخبار القتل لا يمكن لك أن تتخيله. فالألم يأخذ طريقه نحو مركز الأعصاب، ويسير بسرعة نحو غرف القلب المغلقة، فيفتحها على مصراعيها، ويبدأ باللعب هناك حتى أنك تشعر بوخز مؤلم في الصدر من الجهة اليسرى من الصدر.
هناك تعلم بأن ما يحدث لك شيءٌ لا يمكن تحمله، ألم حرقة بالصدر خدر بأصابع اليد وألم لا يحتمل.
هذا ما حدث لي هذا الصباح عندما تصفحت أحد مواقع الانترنيت وحدث أن وقع نظري على خبر صاعق.
مقتل امرأة برصاص غادر وهي تقبع في منزلها. يا لهول ما سمعت. لم يعد أمان للإنسان لا في بيته ولا في طريقه للعمل، أو في مكان عمله، أو في مركبته متوجهًا لمكان عمله.
امرأة قتلت وتركت أطفالها يبكون عليها. تخيل كبر المأساة. زوجها الثاكل الذي يبكيها بدموع حرقت قلبي وقلب كل من سمع خير مقتلها.
توجهت أنا ومجموعة من الأهالي لمركز الشرطة نخبرهم بأننا نود أن نحتج على تقاعس الشرطة بعملها، وترك المجرمين يصولون ويجولون كأنه لا يوجد رادع لأعمالهم. كانت صرختنا بمثابة زلزال بأعلى درجة على سلم ريختر. لم تكن الصرخة مجرد صوت عابر بل كانت اعلانا صريحا بأن استقالتي قد رفضت بقرار من كرامتي.
وقفتُ هناك، وأنا أشعر بذلك الوخز في جهة قلبي اليسرى يتحول من ألم عاجز إلى طاقة غضب. نظرتُ في عيني الضابط المسؤول؛ كانت عيناه تحاولان الهروب من نظرات الأمهات اللواتي جئن يحملن وجع المرأة القتيلة كأنه وجعهن الخاص. في تلك اللحظة، أدركتُ أن صمتنا السابق هو الذي سمح للرصاص بأن يخترق جدران بيوتنا.
قلتُ له بصوت لم أعهده في نفسي من قبل: إن الدم الذي سكن رصيف منزلها اليوم، سيسكن كوابيسكم غداً إن لم تتحركوا. نحن لا نطلب حماية، نحن نطالب باسترداد حقنا في الحياة.
خرجنا من المركز، ولم تكن الشوارع قد تغيرت، ولا المجرمون قد اختفوا بلمحة بصر، لكن شيئاً ما في داخلي قد تبدل. ذلك "الخدر" الذي أصاب أصابعي في الصباح تلاشى، وحلّ محله إصرار صلب. لم أعد أتمنى "فقدان الوعي" أو "الاستقالة من الحياة"، بل أصبحتُ أريد أن أكون بكامل وعيي، لأرى أطفالها يكبرون في عالم لا يسرق فيه الغدر أمهاتهم.
عُدتُ إلى منزلي، تصفحتُ نفس الموقع الإلكتروني، لكنني لم أقرأ الخبر هذه المرة كضحية تنتظر دورها، بل كشاهدة قررت ألا تغمض عينيها أبداً. فالألم الذي يفتح غرف القلب المغلقة، قد يفتح أيضاً أبواباً للأمل لم نكن نعرف طريقها، ومسيرة الألف ميل لحماية أرواحنا بدأت بتلك الصرخة التي هزت أركان الصمت.
من هنا وهناك
-
‘ رَبَّنا ارْحَمْ عَبِيدَك ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
زجل الإيمان - بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
لوحة أمل ذكريات لا تنام - بقلم: معين ابوعبيد - شفاعمرو
-
‘وسمعت السّماء‘ - قصّة للأطفال بقلم : زهير دعيم
-
‘ حَيَاتُنَا باتًَتْ مُشِينَة ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘جسور الحياة‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘ القُدْرَةُ والتَّقادِير ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘ الينبوع الأزليّ ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
قصة ‘وصلت لقمة النجاح‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
قصيدة زجلية للقديس أنطونيوس - بقلم : أسماء طنوس من المكر





أرسل خبرا