قصة بعنوان ‘وراء الأكمة ما وراءها‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
أرفض أن أكون واحدة من الناس الذين لا يأبهون بما يجري حولهم. ولأنني أمتلك إحساسًا شفافًا وروحًا تتعذب من مشاهد العنف التي أراها واسمع عنها يوميًا، لا يسعني إلا أن أكتب واملأ صفحات التاريخ، حتى أعري هذا العالم.

لأن كل الذي يحصل من مشاهد أصبحت الأذن تألفها والعين اعتادت على رؤيتها. هنا يجب أن ندق جرس الإنذار، لأن هذا الشيء خطير جدًّا، والأخطر منه الاستسلام لهذا الحال.
دعوني أيها السادة الأكارم بأن أتحدث عن كم الوجع والغضب الذي ينتابني كلما سمعت عن حالة إطلاق النار على شخص ما، مما يؤدي لمقتله.
دعوني أقلم الوضع مثلما يقلم المزارع الأشجار، دعوني أعري هذا المجتمع ولا أترك عليه سترًا مغطى.
أريد أن أتقيّأ كل سيئات هذا المجتمع لأني أخاف أن اختنق إذا لم أكتب وأقول كل ما في نفسي من غضب كاد يميتني.
لن أكون وسطية الرؤية. ولا محايدة سأكون الشعاع الذي يلقى علينا من علو سمائنا حتى ينير الفضاء، ويفضح كل متآمر وكل خائن وكل من يريد لنا أن نعيش المصيبة تلو الأخرى.
أيها السادة الأكارم الذين جاءوا من كل حدب وصوب. ستكونون الجسر الذي سوف ينقلنا لمرحلة السلام، المرحلة التي طالما حلمنا ان نصل إليها، رغم الوضع البائس الذي وصلنا إليه. ولطالما رددت تلك المقولة " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس".
لذلك تواجدكم هنا بهذه الساحة التي امتلأت بالبشر علامة على أننا ذاهبون إلى المكان الذي به ينعم كل إنسان موجود بهذه البلاد بالأمن والأمان.
وإن دل تواجدكم على شيء ما إنما يدل أنكم سئمتم هذه الحال التي أصبحت تشدّ على الأعصاب.
ولطالما تمنيت أن أعيش في بلد ينعم به كل مواطن بالأمان وإذا توجه الى مكان عمله أو أي مكان آخر، بأن لا يكون لديه خوف من رصاصه قد تصيبه بمقتل.
محاضرة قيمة قدمتها الدكتورة رحاب جمال. وقالت في معرض محاضرتها بأن الذي أوصلنا لهذا الوضع الذي لا أتمناه لعدوي.
لأنه لا توجد أحكام رادعة. تردع كل مجرم، وتجعله يفكر مليون مرة قبل أن يقدم على إطلاق الرصاص على شخصٍ ما. لأن انفاذ القانون بحقه يكون على أشده. لا رحمة لقاتل. هكذا اختتمت الدكتورة رحاب محاضرتها.
لكن قبل أن يخرج كل من كان في القاعة وقف طارق وقال كلمته التي وجهها للدكتورة رحاب.
وقف طارق، وكانت يداه ترتجفان قليلاً وهو يمسك بطرف المقعد أمامه، نكس رأسه للحظة ثم رفعه وعيناه تلمعان ببريق حاد:
عذراً يا دكتورة. وعذراً لكل من صفق لهذه الكلمات الرنانة. تتحدثون عن القانون والردع وكأن المجرمين يقرأون كتب الحقوق قبل الضغط على الزناد! المشكلة ليست في غياب النص القانوني فحسب، بل في غياب القيمة للإنسان داخلنا.
نحن هنا في هذه القاعة نخطب ونحلل، وفي الخارج هناك من يجهز سلاحه للثأر أو للمال أو لمجرد إثبات السطوة.
أخبريني يا دكتورة، كيف سنقنع أماً فقدت وحيدها بالأمس فجرس الإنذار الذي ندقه اليوم سيعيد لها نبض قلبها؟ نحن نجيد تشخيص الداء، لكننا جميعاً نهرب من مرارة الدواء. إن إنفاذ القانون يبدأ من كسر حاجز الخوف في صدورنا نحن؛ فإذا كان القاتل يعرف أنه لن يحاسب، وإذا كنا نحن نعرف القاتل ونخشى الإشارة إليه، فمن هو المجرم الحقيقي هنا؟ هل هو من ضغط على الزناد، أم نحن الذين مهدنا له الطريق بصمتنا وتخاذلنا؟ نحن لا نحتاج إلى أحكام رادعة فقط، بل نحتاج إلى جراءة على الحياة قبل أن يقتلنا هذا الصمت!
بعد أن ألقى طارق كلماته التي وقعت كالصخرة في بركة راكدة، ساد القاعة صمتٌ ثقيل، صمتٌ يمكن سماع دقات القلوب فيه. اتجهت الأنظار كلها نحو المنصة، حيث كانت الدكتورة رحاب تقف شامخة، لكن ملامحها تغيرت؛ لم تكن غاضبة، بل كانت تحمل مزيجاً من الحزن والاعتراف بالهزيمة أمام الحقيقة.
تصلبت نظرات الدكتورة رحاب للحظات، وضعت أوراق محاضرتها على الطاولة ببطء وكأنها تضع حِملاً ثقيلاً عن كاهلها. خلعت نظارتها الطبية، ومسحت وجهها بيدٍ متعبة، ثم نظرت إلى طارق نظرةً طويلة اخترقت صمته.
لم تبتسم، بل أومأت برأسها وقالت بنبرة خفيضة وصلت إلى أبعد زاوية في القاعة: لقد أصبتَ كبد الحقيقة يا طارق.. وما أصعبها من حقيقة.
تنفست الصعداء ثم تابعت: إن القوانين التي تحدثتُ عنها هي الهيكل، لكن كلامك هو الروح التي نحتاج. القانون يقتص من المجرم بعد الجريمة، لكن الخوف الذي تحدثت عنه هو الجريمة المستمرة التي ترتكبونها ويرتكبها الجميع كل يوم في حق أنفسكم. أنا هنا أقدم العلم كطريق، ولكنك قدمت الوجع كدافع. إذا لم يتحول وجعك هذا، وصمت هؤلاء الحاضرين، إلى فعلٍ حقيقي يرفض الغطاء للمجرم، فلا الأوراق التي كتبتها ستنفع، ولا الجدران التي تحمينا ستبقى.
ثم نظرت إلى الجمهور وقالت بكلمة أخيرة قبل أن تلملم أشياءها: طارق لم يطرح سؤالاً، بل وضع مرآة أمام وجوهكم.. من منكم يجرؤ الآن على النظر فيها؟
بدأ الناس بالخروج من القاعة، لكن لم يكن خروجاً عادياً؛ لم تكن هناك تلك الدردشات الجانبية المعتادة أو الضحكات الخافتة. خرجوا كأشباحٍ تطاردها كلمات طارق، مطأطئي الرؤوس، يحمل كل منهم ثقل الحقيقة التي حاولوا تجاهلها لسنوات. كانت وجوههم تعكس مزيجاً من الخجل والارتباك، وكأن القاعة أصبحت ضيقة جداً على أسرارهم وصمتهم القديم.
وسط هذا الزحام المغادر، وجدتُ نفسي أتحرك عكس التيار. لم أكن أريد الهروب، بل أردت الاقتراب من المنبع. كان طارق لا يزال واقفاً في مكانه، ينظر إلى الكراسي التي فرغت للتو وكأنه أفرغ رصاصة قلبه في الهواء.
اقتربتُ منه، وضعتُ يدي على طرف المقعد المجاور له وقلتُ بصوتٍ ثابت: كلماتك لم تكن مجرد مداخلة يا طارق.. كانت صرخة ذبيح. لقد قلتَ ما كنتُ أخشى صياغته، لكنك الآن منحتني الضوء الأخضر لأبدأ.
نظر إليّ بعينين متعبتين، وسألني بنبرة مكسورة: وهل تعتقدين أن الكلمات ستوقف الرصاص يا سيدتي.
أجبتُه بصرامة لم أعهدها في نفسي من قبل: الرصاص يقتل الجسد، لكن الصمت يقتل أمة كاملة. أنا سأكتب.. سأعري هذا القبح حتى لا يجد مكاناً يختبئ فيه.
تركتُ القاعة والصدى لا يزال يتردد في أذني. وصلتُ إلى غرفتي، ذلك الركن الهادئ الذي شهد على صراعاتي النفسية الطويلة. أغلقتُ الباب خلفي وكأنني أغلقه على العالم بأسره.
جلستُ خلف طاولتي، وأمام ورقتي البيضاء التي بدت وكأنها كفنٌ ينتظر أن يُبعث فيه الحياة. أمسكتُ قلمي بقبضة قوية، شعرتُ بحرارته في كفي وكأنه سلاحٌ مُذخر. غمس قلمي في محبرة الغضب، وخططتُ في أعلى الصفحة بخطٍ عريض وواضح عنوان فصلي الأول:
الفصل الأول: أنين الرصاص وصدى الصمت.
لم تعد يدي ترتجف، بل كان القلم يركض على الورق كمن يسابق الزمن، يسكب كل الوجع، كل الخيانات، وكل الدماء التي استرخصها المجتمع، معلناً بداية رحلة "التعرية" التي لن تتوقف حتى ينكشف المستور.
من هنا وهناك
-
‘ القُدْرَةُ والتَّقادِير ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘ الينبوع الأزليّ ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
قصة ‘وصلت لقمة النجاح‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
قصيدة زجلية للقديس أنطونيوس - بقلم : أسماء طنوس من المكر
-
‘شعب يتيم على موائد الظالمين‘- بقلم: سليم السعدي
-
‘الشرق الأوسط على حفة هاوية ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘انفجارُ الحرية‘ - بقلم : خالد عيسى
-
‘حياتُنا كما الطّل ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
‘ فِي هَذا الصَّباح ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘ المعنى الأخير ‘ بقلم : خالد عيسى من نحف





أرسل خبرا