‘لماذا قراراتنا المالية عاطفية أكثر مما هي عقلانية؟‘ - بقلم : دينا حسن نجم
عندما نفكر في المال, يخطر في بالنا فورًا الأرقام, الجداول, الميزانيات, والحسابات الدقيقةً, اعتقادا منا أنّ قراراتنا المالية مبنية على منطق سليم وحسابات عقلانية. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا: الأبحاث أثبتت معظم الناس لا يتخذون
دينا حسن نجم ، مراقبة الحسابات والمستشارة المالية ومديرة مركز ميزان الحياة-علاج عاطفي مالي - صورة شخصية
قرارات مالية بمنطق وعقلانية بشكل كامل, بل بناءً على المشاعر مثل الخوف والقلق, والمعتقدات الراسخة في عقولنا والعادات اللاواعية التي اكتسبوها على مر السنين.
المال كمرآة للمشاعر
المال ليس مجرد أداة للتبادل, بل هو أيضًا رمز للأمان, المكانة, الحب وحتى الحرية.
عندما نشتري هدية ثمينة لشخص عزيز, نحن لا نشتري شيئًا ماديًا فقط, بل نعبر عن الحب والتقدير. وعندما نؤجل شراء شيء مهم خوفًا من المستقبل المبهم, قد يكون هذا انعكاسًا لقلق عميق أو شعور بعدم الأمان.
المشاعرالمختلفة مثل الخوف, الحماس المفرط, وحتى الشعور بالذنب, تلعب دورًا أساسيًا في قراراتنا اليومية. لذلك نرى الكثير من الأشخاص مثقفين وناجحين, لكنهم يعانون ماليًا بسبب قرارات لم تكن عقلانية ومنطقية, بل عاطفية.
تأثير المعتقدات القديمة
المسألة لا تقف عند حدود المشاعر اللحظية. فمعظمنا يحمل بداخله "برمجة مالية" تشكلت منذ الطفولة. ربما كنا نسمع في البيت عبارات مثل:
"المال لا يأتي بسهولة"
" الأغنياء جشعون "
" لا يمكننا شراء هذا لأنه ليس بحدود قدراتنا"
هذه العبارات تتحول مع الزمن إلى معتقدات مالية تسيطر على قراراتنا حتى من دون وعي. فالذي تربى على الخوف من النقص قد يتحول إلى مدخر مهووس لا يستمتع بماله, والذي تربى على فكرة أن "المال وسيلة لإظهار المكانة" قد يصبح مسرفًا ليشعر بالقيمة.
لماذا نقع في أخطاء متكررة؟
علم الاقتصاد السلوكي يشرح لنا أنّ الإنسان يتخذ قراراته غالبًا عبر " نظامين ":
1. النظام السريع: عاطفي, تلقائي, يعتمد على الحدس والمشاعر.
2. النظام البطيء: منطقي, تحليلي, يحتاج وقتًا وجهدًا للتفكير.
المشكلة أننا في معظم تعاملاتنا المالية نستخدم النظام الأول - السريع - وننسى أن القرارات المالية تحتاج إلى تفكير أعمق. هكذا نقع في فخ "عروض اليوم فقط", أو ننجرف وراء "الكل يشتري, إذاً أنا أيضًا".
أمثلة من الحياة اليومية
*شاب جامعي يشتري هاتفًا جديدًا بالتقسيط، ليس لأنه يحتاجه, بل لأنه لا يريد أن يشعر بالنقص بين أصدقائه.
*أسرة تنفق فوق طاقتها على حفل زفاف ضخم, لأنها تخاف من كلام الناس والمجتمع.
*موظف يرفض استثمار ماله في مشروع جيد, لأنه يحمل داخله خوفًا قديمًا من الفشل.
كل هذه القرارات تبدو وكأنها "منطقية", لكنها في العمق قرارات عاطفية تمامًا.
كيف نواجه هذه النزعة العاطفية؟
الأمر ليس أن نتخلص من مشاعرنا - فهذا مستحيل. بل أن نتعلم كيف ندمج بين الوعي العاطفي والانضباط المالي ولثقافة المالية. مثلا بعض النصائح:
1. التوقف لثوانٍ قبل القرار
عندما تشعر برغبة قوية في الشراء أو الاستثمار, اسأل نفسك: "هل هذا قرار لحاجة حقيقية أم مجرد رغبة وشعور لحظي؟"
2. قائمة فحص قبل القرار
ما هدفي من هذا القرار؟
هل لدي بدائل؟
ما التكلفة الحقيقية (ليست فقط السعر, بل أيضًا الوقت) وما هي الفوائد؟
كيف سيؤثر ذلك على ميزانيتي؟
هل يتماشى مع قيمي الشخصية؟
3. التعرف على المعتقدات الموروثة
اسأل نفسك: "أي جملة من طفولتي لا تزال تدير قراراتي اليوم؟" -فقط إدراك هذه المعتقدات يعطيك حرية أكبر في الاختيار واتخاذ القرار.
4. تأجيل القرارات الانفعالية
اجعل لنفسك قاعدة: أي قرار مالي تشعر أنه مدفوع بعاطفة قوية (اندفاع, خوف, إغراء, توتر) أنتظر 24–48 ساعة. هذا الوقت يسمح بانخفاض الانفعال وعودة التفكير العقلاني للعمل, فتتضح الصورة وتقلّ الأخطاء.
الخلاصة
المال ليس مجرد حسابات جافة. هو انعكاس لمشاعرنا العميقة وقصصنا الشخصية. إذا أردنا أن نكون أذكياء ماليًا, يجب أن نتعلم أن نرى خلف الأرقام: أن نسأل أنفسنا ما الذي نشعر به, وما الذي نؤمن به, قبل أن نسأل "كم يكلف؟"
فالمعادلة بسيطة: من يدير مشاعره وأفكاره حول المال, يستطيع أن يدير ماله بذكاء أكبر.
من هنا وهناك
-
د. نشأت صرصور يكتب: تأثير الحرب الامريكية الإسرائيلية وإيران عل قطاع السياحة والسفر
-
مقال: هل جيفري إبستين، مصباح علاء الدين السحري؟! - بقلم: توفيق أبو شومر
-
‘الحياة تحت ظل المستوطنات الإسرائيلية: كيف يقلل الفلسطينيون مخاطر المواجهة اليومية؟‘ - بقلم : علاء كنعان
-
‘المقارنة… حين تُفقد الإنسان نعمة الرضا ‘ - بقلم: الشيخ سمير عاصي
-
‘ الحرب في إيران: بدايتها سوء التقدير فهل تنتهي بحسن التدبير؟‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘الحرب على ايران وملف غزة ‘ - بقلم: د . سهيل دياب - الناصرة
-
‘السرديات في الشرق الأوسط: نهر تُكتب مجاريه بالقصص قبل الصواريخ!‘ - بقلم : عماد داود
-
مقال: نتنياهو ينتقل بإسرائيل من ‘اسبارطة‘ الى ‘الدولة العظمى‘ - بقلم : أمير مخول
-
‘ أوروبا تكسر دائرة الإفلات: قرار برلماني يضع نظام طهران أمام اختبار المحاسبة الدولية‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
‘المعلومات والشائعات في أوقات الأزمات‘ - بقلم: غزال أبو ريا





أرسل خبرا