المحامي زكي كمال - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا
بعد أن أطلقت حكومة بنيامين نتنياهو بتركيبتها اليمينيّة والمتديّنة المتزمّتة العنان للانقلاب الدستوريّ، تطرح هذه الانتخابات، بل تستوجب طرح أسئلة وتساؤلات كانت حاضرة في ساحة الانتخابات السابقة، لكنها تعدّت وتجاوزت في سياق هذه الانتخابات، وبفعل ما سبق من أحداث محليّة وإقليميّة ودوليّة، مرحلة التساؤلات العاديّة الحزبيّة والانتخابيّة، إلى مرحلة الأسئلة التي تحمل أهميّة بالغة، ويمكن وصفها بأنها مصيريّة، آنيًّا ومستقبليًّا باعتبار أن الانتخابات القريبة والتي من المفروض أن تكون دستوريًّا في نهاية أكتوبر 2026، ستحدّد ليس فقط شكل الحكومة القادمة وتشكيلة الائتلاف، بل صورة دولة إسرائيل المستقبليّة على كافّة الصعُد السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة المحليّة والإقليميّة والدوليّة. وبالتالي تستوجب هذه الانتخابات وبشكل أكثر من غيرها الانتباه، وطرح الأسئلة حول قضايا كثيرة أهمّها مضامين الحملات الانتخابيّة والتي لم تعد حملات انتخابيّة أيديولوجيّة، بل انتخابات تتمحور حول قطاعات وانتماءات ضيّقة عرقيّة ودينيّة وسياسيّة، والتساؤل بالتالي حول مدى ارتباط البرامج المطروحة بالواقع، وهل ستشمل برامج انتخابيّة تضعها كافّة الأحزاب بما فيها، وربما أكثر من غيرها الأحزاب العربيّة الأربعة، تعكس سياسات ملموسة تحلّ الأزمات التي تعيشها إسرائيل اقتصاديًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا وسياسيًّا وعزلتها الدوليّة، بدلًا من الشعارات الفضفاضة. وهل يقدّم المرشّحون حلولًا واقعيّة وعمليّة للاحتياجات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة الملحّة، أم يكتفون كالعادة بوعود عامّة عبر حملة انتخابيّة تعتمد على استخدام "البعبع"؛ أي المخاوف الأمنيّة الخارجيّة والداخليّة، وربما تضخيمها، بل جعلها الهمّ الأوحد والوحيد، وذلك خدمة لأهدافها وبغية صرف النظر عن قضايا أخرى لا تقلّ أهميّة، منها تكريس الخلافات السياسيّة والانتماءات العرقيّة، أو الطائفيّة أو الدينيّة. ولعلّ السؤال الأهمّ الذي يجب طرحه يتعلّق بقضية التوجّهات اليمينيّة الآخذة بالتزايد في إسرائيل وأسبابها ومخرجاتها، وهل هي السبب في ضحالة النقاش السياسيّ، بل شخصنته ونقله من تبادل الآراء إلى مستوى التخوين والإقصاء والمقاطعة وربما حتى الصدام.
تشخيص صحيح لحالة اجتماعيّة ومجتمعيّة وسياسيّة
ما سبق، وتحديدًا استخدام مصطلح أن الشعب في إسرائيل أصبح يمينيًّا، هو تشخيص صحيح لحالة اجتماعيّة ومجتمعيّة وسياسيّة، لكنّه يبقى منقوصًا، بل إنه تشخيص خطير يعني التسليم بمظاهر سياسيّة واجتماعيّة وتوجّهات لم تكن معهودة ومقبولة حتى الأمس القريب، إذا لم يرافقه نظرة ثاقبة إلى الواقع وأسبابه في محاولة لاستخلاص العبر والاستنتاجات، وأهمّها التغييرات التي شهدتها الحلبة السياسيّة والحزبيّة في إسرائيل، وخاصّة ذلك التحوّل المتعلّق بالأحزاب الدينيّة، أو المتديّنة فحكومات إسرائيل كلّها منذ العام 1948 وحتى صعود اليمين برئاسة مناحيم بيغن عام 1977 كانت معظمها بمشاركة الأحزاب الدينيّة، وخاصّة حزب "المفدال" الذي ورثه الآن حزب الصهيونيّة الدينيّة وحزب "يهدوت هتوراه"، و"أغودات يسرائيل". وهي نفسها التي كانت جزءًا من ائتلافات حزب "ماباي" وحزب العمل، لكنها انتقلت بعد ذلك لتشارك الليكود حكوماته بعد العام 1977، ومن ثم تأرجحت بين الحزبين، وهذا تمامًا ما حصل مع حزب "شاس" المتديّن الشرقيّ والذي يقوده سياسيًّا آرييه درعي وقاده فقهيًّا الحاخام عوفاديا يوسف الذي اشتهر بالوسطيّة السياسيّة والدينيّة، لكن الحال تغيَّر كليًّا بعد عودة بنيامين نتنياهو إلى سدّة الحكم مرّة ثانية عام 2009، وهو الذي كان وصل لرئاسة الحكومة سابقًا عام 1996 متغلّبًا على شمعون بيرس؛ ليهزمه أهود براك عام 1999، وبالتالي يجب القول إن صعود اليمين في إسرائيل لم يكن وليد اللحظة، ولا السنوات الأخيرة التي شهدت خمس جولات انتخابيّة، وليس حتى وليد السابع من أكتوبر، بل إنه النتيجة النهائيّة وربما الحتميّة لتغييرات سياسيّة واجتماعيّة وتاريخيّة، ساهمت في تعزيزها وتغذيتها الهواجس الأمنيّة التي كانت إسرائيل شهدتها، بل أكثر ممّا هي عليه اليوم في عقودها الأولى كدولة شابّة خاضت حتى العام 1977 ثلاثة حروب، دون أن تتحوّل إلى واجهة الكلّ، وإلى القضيّة الوحيدة التي تقوم عليها الدعاية الانتخابيّة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عاملين تضافرا معًا لخلق هذا الانجراف نحو اليمين، أوّلهما التغييرات الديمغرافيّة؛ وأقصد هنا تحديدًا تزايد أعداد اليهود من أصول شرقيّة بسبب نسبة زيادتهم الطبيعيّة التي تفوق أولئك من أصول أوروبيّة، وكذلك ازدياد نسبة اليهود المتديّنين عامة والحريديم خاصّة ونسب زيادتهم الطبيعيّة التي تفوق تلك في الشرق الأوسط، والثاني هو الدور البارز للأحزاب الدينيّة وقياداتها خاصّة في تكريس وتعزيز الخطاب اليمينيّ والتشدّد القوميّ، وجعله التيار المتسيِّد والسائد سياسيًّا، وخلق تحالف دائم مع الليكود، والإشارة هنا إلى قيادات الأحزاب المذكورة وخاصّة القيادات الروحيّة، أو المرجعيّة الدينيّة، ليس صدفة، بل من باب الحقيقة الواقعة أن القيادات الروحيّة، في أوساط المتديّنين عامّة والمتديّنين المتزمّتين (الحريديم ) خاصّة، هي صاحبة القرار في كيفيّة التصويت الجماعيّ والفرديّ، وما على أتباع هذه الجماعات سوى الطاعة التامّة لقرارات المرجعيّات الدينيّة المذكورة. هذا ناهيك عن تعاظم العامل الأمنيّ خاصّة بعد الانتفاضة الثانية والانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة والسابع من أكتوبر 2023، ليسود الاعتقاد بين شرائح عديدة من الإسرائيليّين اليهود أن مواجهة ذلك تستوجب طروحات سياسيّة ومواقف أمنيّة متطرّفة، لا تتورّع عن تكرار الحاجة إلى الترحيل وضمّ الضفة الغربيّة والقتل وغير ذلك، وهي طروحات تحوّلت بفضل ضعف اليسار الإسرائيليّ أو اضمحلاله ، بسبب انقسامات داخليّة وفقدان قياداته البارزة، وفقدان الثقة الجماهيريّة والشعبيّة منذ مطلع القرن الحالي، والخوف الذي يلازم قياداته، لئلا يتمّ اتّهامهم بالخروج عن الإجماع اليهوديّ والصهيونيّ. وهي طروحات اعتبرها كثيرون الضمان لحمايتهم، خاصّة في السنوات الأخيرة وبشكل بارز منذ السابع من أكتوبر عام 2023، والذي كانت سمته البارزة الاصطفاف خلف الحكومة ورئيسها ودعمه ، والانضمام إليه بدلًا من وضع الإصبع على موضع الألم وتحميل المسؤوليّة لمن يجب أن يتحمّلها بجريرة قرارات وسياسات كرَّسها طيلة عقد وأكثر، وأخيرًا ومع ازدياد مظاهر التديُّن بين اليهود، تصبح الرواية التوراتيّة والدينيّة عاملًا أساسيًّا في الخطاب السياسيّ، لا مجال لمناقشته وتفنيده بصفته إيمانًا بالتوراة والوعود الإلهيّة والغيبيّات الدينيّة التي ترفض الخوض فيها، ممّا يسهل على الخطاب اليمينيّ وخاصّة اليمينيّ الدينيّ استقطاب تأييد شرائح واسعة من اليهود في إسرائيل، تشكّل أحزابهم بيضة القبان في ائتلافات بنيامين نتنياهو، وليس ذلك فقط بل تحدّد سياسات حكوماته، كما كان الحال مع قرار ضمّ غور الأردن والضفة الغربيّة والذي بادر إليه وزير المواصلات في حينه بتسلئيل سموتريتش، والذي تمّ إلغاؤه بفعل أو ربما كما يعتقد البعض بفضل اتفاقيّات أبراهام.
اعتبار المواطنين العرب طابورًا خامسًا
في هذا السياق، أي الحديث عن ازدياد التوجّهات اليمينيّة في المجتمع الإسرائيليّ خاصّة في أوساط الشبيبة، الذين تثبت استطلاعات الرأي المتواصلة، أن نسبة كبيرة من الناخبين الشباب في إسرائيل وخاصّة أولئك الذين يمارسون حقّهم الانتخابيّ للمرة الأولى، يؤيّدون ويتبنون بوضوح الفكر اليمينيّ مقارنة بالأجيال الأكبر سنًّا، متأثّرين بالتوجّهات القوميّة والدينيّة. ولذلك ليس من الصعب بمكان القول هنا إنه من الأسهل، بل الأكثر قبولًا في إسرائيل أن تكون يمينيًّا بل يمينيًّا متطرّفًا، خاصّة في الظروف السائدة منذ الانتخابات الأخيرة، بل قبلها وفي فترة حكومة التغيير، وتحديدًا بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ يكفي لذلك أن تكون ضمن من يرفضون مثلًا قيام دولة فلسطينيّة حتى في حدود الرابع من حزيران 1967، أو أقل من ذلك بكثير، وأن تعتبر الضفة الغربيّة أراضي إسرائيليّة وأرض الميعاد، وأن يشكّل نتنياهو بالنسبة لك القائد الأوحد وسيد الأمن والأمان، وأن تعادي الجهاز القضائيّ رغم أن وجوده وقوّته من المفروض أن يصبّوا أوّلًا وأخيرًا في مصلحة المواطن، وأن تقبل دون نقاش توجّهات تدعو إلى استمرار المواجهة العسكريّة والسياسيّة مع الفلسطينيّين حتى هزيمتهم التامّة وطردهم من غزة، كلّهم دون استثناء ورفض التمييز المطلوب بين المسلّحين الذين ارتكبوا هجمات وفظائع السابع من أكتوبر وقياداتهم العسكريّة والسياسيّة وبين نحو مليوني مواطن غزي، لا حول لهم ولا قوة، وأن تعادي ومن باب التعميم والاتهام والتخوين والإقصاء الجماعيّ، بل الغرائزيّ المدفوع بتمييز عرقيّ وعنصريّ أو محاولة الانتقام من جهات عادت اليمين واليهود الشرقيّين كما يدعون طيلة عقود، للأقليّات العرقيّة وتحديدًا المواطنين العرب في إسرائيل، وممارسة التخويف منهم خاصّة منذ التصريح المشهور لنتنياهو حول كون العرب يتدفّقون بالحافلات، ولذلك يجب زيادة نسبة التصويت لدى اليهود لمواجهة ذلك، واعتبارهم طابورًا خامسًا منذ السابع من أكتوبر رغم المعطيات التي تؤكّد أنهم أبدوا نموذجًا يحتذى في الانتماء المدنيّ، ولعبوا دورًا هامًّا في الاقتصاد والصحّة والأكاديميا ومرافق العمل المختلفة العامّة والخاصّة، وغيرهم من الأقليّات الفكريّة والمذهبيّة والسياسيّة، والأنكى من ذلك أن تقبل من منطلق عدم الفهم، ورفض الدخول في التفاصيل، دعم الاقتصاد اليمينيّ المحافظ الذي تكون نتيجته دائمًا زيادة غنى الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال، وإفقار الفقراء والطبقات المسحوقة. وهي في حالة إسرائيل الطبقات التي تصوّت بغالبيتها لليمين من اليهود الشرقيّين والمتدينّين وسكان الضواحي ومدن التطوير ومنها كريات شمونة وسديروت وغيرها والتي دفعت الثمن الأكبر لسياسات حكومات نتنياهو وتحديدًا السابع من أكتوبر لكن كثيرين من سكانها يكرّرون التصويت لليمين بدافع الانتقام من "اليسار" الذي ميَّز ضدهم ناسين أو متناسين أن اليمين يحكم إسرائيل منذ 50 عامًا تقريبًا، ناهيك عن حالة غير مسبوقة في الأنظمة الديمقراطيّة أو الليبراليّة اشرنا إلى جزئية واحدة منها وهي تصويت الحريديم بشكل جماعيّ وفق قرار المرجعيّة الروحيّة، دون تمحيص أو مناقشة أو حتى إمكانيّة لإبداء الرأي، ودون أي تمثيل نسائيّ، والجزئيّة الثانية هي نمط تصويت يمكن وصفه بالتقليديّ أو القبليّ، فالجيل الشاب يصوّت لليمين أساسًا بدعوى كون والديه، أو أجداده يصوّتون لليكود واليمين، دون أي اعتبار للمعطيات التي تؤكّد أن السابع من أكتوبر وقع في عهد حكومة يمين كاملة، وأن حكومات اليمين المتتابعة لم تعمل على تحسين حالة اليهود الشرقيّين الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتعليميّة والتشغيليّة والأكاديميّة، بل أبقت بلداتهم في نهاية سلّم الاستثمارات والميزانيّات الحكوميّة وفي المراتب الأولى من حيث قلّة الدخل الاقتصاديّ والماليّ مع الفقر والبطالة وفرص العمل الضئيلة والبنى التحتيّة المتدنّية، وسوء بل انعدام خدمات الصّحة وتدنّي مستوى التعليم وتحصيل الطلاب وغير ذلك، وبُعدهم عن إمكانيّات التقدم في الشركات التكنولوجيّة وحتى الجيش بسبب مستوى التعليم المتدنّي للغاية.
تنامي النزعات اليمينيّة في العالم
لا بدّ من التطرّق لمقارنة تستهوي البعض خاصّة من أولئك الذين يحاولون تفسير ظاهرة التطرّف اليمينيّ السياسيّ والتطرّف الدينيّ في إسرائيل، على أنها ليست ظاهرة خاصّة تستوجب التوقّف عند مخاطرها على الجميع، بل إنها جزء عاديّ ولا يتجزّأ من تنامي النزعات اليمينيّة في العالم عامّة بما فيها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبيّة، وبالتالي فهو النتيجة لعوامل غالبيتها العظمى إن لم تكن كلّها خارجيّة، لكنّ هذه المقارنة محاولة لتجميل الصورة لا غير. وهذا ما يثير الخطورة والقلق، وينذر بتعاظم التوجهات اليمينيّة السياسيّة والدينيّة المتزمّتة في إسرائيل، خاصّة وأن اليمين المتطرّف في الغرب والذي يمتاز كما في بولندا وألمانيا وكذلك النمسا وغيرها بخطاب شعبويّ، نما وترعرع بسبب تدفّق المهاجرين ومعهم تزايد نسبة وأعداد الجرائم، وكونها موجهَّة بشكل دائم ضدّ الأغلبيّة، وتقلُّص فرص العمل والفرص الاقتصاديّة أمام المحليّين، وازدياد التضخّم الماليّ، وأحد أسباب ذلك إنفاق الدول مئات ملايين أو مليارات الدولارات لاستيعاب المهاجرين ومحاولة دمجهم. وهي محاولات تفشل في معظم الأحيان، إضافة إلى انعدام الثقة بالقيادات السياسيّة التقليديّة، والبحث عن قيادات جديدة وطروحات جديدة تخاطب العاطفة وتعزف على أوتار الخوف، ولذلك جاء الخطاب المنبثق عن كل هذه الأحزاب اليمينيّة مشبعًا أو أحيانًا مقتصرًا على كراهية، ورفض ما هو أجنبيّ وخارجيّ وغريب وخاصّة المهاجرين ومعظمهم من دول مسلمة في آسيا والشرق الأوسط والحديث عن ضرورة الحفاظ على الطابع العلمانيّ، على ضوء ازدياد النزعات الدينيّة المتزمّتة لدى المهاجرين ورفضهم الاندماج في المجتمعات الأوروبيّة التي وصلوا إليها، بل تحويل بعض الأحياء في مدن فرنسيّة وبلجيكيّة إلى غيتوات تنعدم فيها سلطة القانون، ويسودها العنف والفوضى والبطالة، لكن الحال في إسرائيل مختلف تمامًا، فهي لا تعاني مشاكل الهجرة، بل إنها تحاول بكل ما أوتيت من قوة استقطاب المهاجرين اليهود، أو القادمين الجدد، وإقناعهم بالقدوم إلى وطنهم القوميّ، ولذلك ليست هنالك جهات خارجيّة غير يهوديّة، تستولي على مصادر الرزق وتزيد من مستوى الجريمة وتوجّهها ضد الأغلبيّة وترفض الاندماج في حياة الدولة، وتحمّل الاقتصاد الإسرائيليّ فوق طاقته، فالأقليّة العربيّة هي في الكثير من هذه المقاييس النقيض التامّ، فهي تشكل عصبًا رئيسيًّا في سوق العمل، وفي كافّة القطاعات الصحيّة والتكنولوجيّة والبنى التحتيّة والبناء والزراعة والتربية والمواصلات وغيرها، وتطمح إلى الاندماج المدنيّ التامّ في القطاعين العامّ والخاصّ وحياة الدولة ومؤسّساتها السياسيّة والبرلمانيّة وحتى الأمنيّة، وتريد الحياة بأمن وأمان وتدعو إلى مكافحة مظاهر العنف والإجرام المتزايدة داخل المجتمع العربيّ، والتحذير من أنها خطر داهم قد يصيب المجتمع الإسرائيليّ كلّه. ورغم ذلك، تزداد التوجّهات اليمينيّة المناوئة لهم والرافضة حتى لإشراكهم في مواقع اتّخاذ القرار، والتحريض على الطواقم الطبيّة العربيّة العاملة في جهاز الصحّة، واعتبارها الخطر الداهم، وصولًا إلى إيمان متزايد لدى اليهود أن اليهود والعرب يجب أن يعيشوا في مجتمعات منفصلة، انطلاقًا من مواقف دينيّة متطرّفة تتبعها الصهيونيّة الدينيّة أساسها اعتبار العرب أغيارًا وخصومًا وأعداء، واعتبار اليهود يتمتّعون بتفوّق عرقيّ، وأن إسرائيل هي دولة يهوديّة أوّلًا، أو دولة لليهود فقط، وهي نزعات يمينيّة تحملها قطاعات يهوديّة يمينيّة ومتديّنة ترفض الاندماج الحقيقيّ في حياة الدولة وخاصّة الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكريّة، وتشكّل مشاركتهم في سوق العمل نسبة ضئيلة للغاية، ويرفضون دراسة المواضيع العلميّة واللغة الإنجليزيّة رغم كونها المفتاح لدخول العالم التكنولوجيّ والمتحضّر، وتضطرّ الدولة إلى تخصيص عشرات مليارات الدولارات سنويًّا لدعمهم اقتصاديًّا وإقامة مدن خاصّة بهم تشكل غيتوات مغلقة أمام الغير، وبالتالي فإن النزعات اليمينيّة في إسرائيل أساسها نزعات الفوقيّة اليهوديّة التي تكرسها التوراة، ورفض الأغيار ليس من منطلقات المواطنة الصالحة أو عكسها، بل من منطلقات عرقيّة ودينيّة خالصة. وهي نزعات علمتنا التجارب التاريخيّة أنها تبدأ ضد الأغيار والمختلفين عرقيًّا ودينيًّا لكنها ما تلبث أن تصل المختلفين أيديولوجيًّا وسياسيًّا وفكريًّا، ومظاهر التخوين والإقصاء السياسيّ داخل مجموعات وفئات المجتمع اليهوديّ والتي تعاظمت بعد السابع من أكتوبر وعلى خلفيّته وبسبب الانقلاب الدستوريّ، هي الدليل على أن الإقصاء نار تأكل الأخضر واليابس.
"الأمن أوّلًا"
وفي هذه الانتخابات كما في سابقاتها ستطغى الشعارات والتصريحات الغوغائيّة والعمومية وستتمّ شخصنة الحملة الانتخابيّة، كما ستتصدر قضايا الأمن والحرب والجيش المشهد، ومعها الخلاف السفسطائيّ حول مسؤوليّة نتنياهو عن السابع من أكتوبر، والأموال الطائلة التي قدّمتها قطر لحركة حماس، استجابة لطلبه الخاصّ، وستتغلّب بذلك على قضايا يوميّة ومصيريّة للمواطنين كافّة منها غلاء المعيشة والاقتصاد والاستقرار السياسيّ. وستشغل قضايا الأمن والسياسات والتهديدات الخارجيّة والداخليّة، المساحة الأكبر من الحملات الانتخابيّة، وستشعلها أكثر من السابق، فهي التي تؤثّر بشكل حاسم على قرارات قطاعات واسعة من الناخبين، وإلى جانبها معاداة الجهاز القضائيّ وحرّاس العتبة والمستشارين القضائيّين الذين يخدمون سياسة الدولة في المجالات الأمنيّة وقضايا الأرض لصالح اليهوديّة واليهود، بينما تبقى قضايا الفساد والاقتصاد والخلاف بين أطياف الشعب اليهوديّ بين الأشكناز واليهود الشرقيّين والحريديم والعرب، وغلاء المعيشة في المكان الثالث أو الرابع، لتختفي المشاكل الحقيقيّة التي تخصّ المواطن العاديّ، يهوديًّا كان أم عربيًّا، من الحملات الانتخابيّة لصالح "الأمن أوّلًا" وذلك أيضًا بسبب النظام الانتخابيّ القائم على التحالفات الحزبيّة، وازدياد الانقسامات الأيديولوجيّة الداخليّة، ما يجعل من القضايا الأمنيّة عاملًا موحّدًا وحيدًا للكتل البرلمانيّة، ناهيك عن أن الائتلاف الحاليّ والحكومة الحاليّة ورئيسها سوف يستغلّون الخطاب الأمنيّ؛ لصرف الانتباه عن الأزمات المعيشيّة الهامَّة التي تعيشها جميع الفئات السكانيّة في البلاد.
والسؤال حول البرامج الانتخابيّة والمواضيع الرئيسة فيها مصيريّ بالنسبة للأحزاب العربيّة، رغم ما يبدو اليوم، من إجماع يهوديّ على إبقائها خارج الائتلاف والحكومة القادمين، خاصّة وأن عليها العمل على عدّة أمور أوّلها وضع قضيّة العنف في المجتمع العربيّ في مقدّمة سلّم الأولويّات، ووضع الخطط لمكافحتها وطرحها على طاولة صنّاع القرار السياسيّ والبرلمانيّ والجماهيريّ والإعلاميّ، والعمل على رفع نسبة التصويت و تحفيز المجتمع العربيّ لتعزيز المشاركة السياسيّة منعًا لاستمرار تراجع التمثيل البرلمانيّ، والطريق لذلك هو وضع برامج انتخابيّة عمليّة قابلة للتنفيذ تركِّز على القضايا اليوميّة للمواطنين العرب، مثل مكافحة العنف والجريمة المنظّمة، أزمة الميزانيّات البلديّة والتخطيط وقضايا الأرض والمسكن، إلى جانب الخطاب السياسيّ والمدنيّ الواضح، لكسب ثقة الناخب ما يتطلب واقعيّة في الطروحات، وتقديم أو اقتراح حلول قابلة للتنفيذ للمشاكل اليوميّة، والمصداقيّة والشفافية والتواصل الميدانيّ وليس العمل السياسيّ الموسميّ، وإلى هذا لنا عودة صريحة وشفّافة لا محاباة فيها، عملًا بقول الحكيم أفلاطون: "الحقيقة غالبًا ما تكون جارحة بالنسبة إلى سامعها كما بالنسبة إلى قائلها". وسنشرح الوضع القائم والحالي للعرب واليهود على حدٍّ سواء في مقالات قادمة، من أجل وضع وايضاح الحيثيات والمواضيع، التي كان لزامًا أن تكون في صلب الخطاب العربيّ في إسرائيل.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: bassam@panet.co.il
