الكاتبة اسماء الياس
مظاهرات أقمنا. اضراب. اقفال طرق. لكن هذا لم يأتِ بنتيجة.
فكرنا نحن الشباب عمل شيء ما قد يعيد لمجتمعنا هدوءَه الذي فقده في موجة العنف السائدة.
كان علينا أن نتعاون مع مؤسسات حكومية. مثل المجالس المحلية. والوزارات التي تهتم بشؤون المجتمعات، وتوفر لها كل الرعاية للجيل الشاب الذي هو بحاجة لمن يبعد عنه هذه اليد السوداء التي تريد تحطيمه، وجعله فريسة سهلة الانقياد.
لهذا كان علينا أن نتابع هذه القضية "من بابها لمحرابها".
اجتمعنا نحن الجيل الشاب. مؤيد وهو محاضر في الجامعة موضوع هندسة الآلات الطبية التي تستخدم في المستشفيات
أما فارس فهو اسم على مسمى فهو فارس بدأت هواية وبعد ذلك أصبحت مهنة. مدرب للخيول الأصيلة، وكثيرًا ما اشترك في مسابقات محلية وعالمية، وكان الفوز دائمًا من نصيبه.
أما السيدة عبلة فهي طبيبة متخرجة حديثًا وقد تخصصت في الجراحة العصبية.
وانضم إلينا حديثًا الأستاذ والكاتب فريد العمري. فهو كاتب ولديه عدة إصدارات في الرواية والقصة القصيرة.
لكن لديه كذلك موهبة أخرى وهي الرسم التشكيلي.
أما أنا خليل حلمي فقد تخرجت حديثًا من الجامعة بموضوع طب العيون.
اجتمعنا جميعًا في بيت أحدنا. وبعد الحوار. ودراسة كل الإمكانيات، كل شيء على حدا. فقد كان كل واحد منا يدلو بدلوه.
شيء قبل بالإجماع، وشيء آخر تم رفضه رفضًا قاطعًا.
ربما استطعنا أن نرجح كفة الميزان نحو الاستقرار الذي نتمناه لمجتمعنا، مع أن ذلك أصبح متأخرًا. ولأني أؤمن بالمثل القائل. "أن تصل متأخرًا خير ألا تصل أبدًا".
فقد كان لديَّ إيمان بأن هذا المجتمع فيه بذرة خير، إذا وجهناه وأعطيناه كل الآليات التي يحتاجها حتى يبرز الخير الموجود به.
استمر نقاشنا حتى ساعات الفجر الأولى، كانت القهوة المرة رفيقتنا، والهمّ المشترك هو دافعنا.
التفتّ نحونا عبلة، وعيناها تشعان ببريق الطبيبة التي تدرك مواطن الألم، وقالت: العنف في مجتمعنا يشبه الورم الخبيث في الدماغ، إذا لم نستأصله من جذوره بالتوعية واحتضان الشباب، سيمتد ليدمر كل الأعضاء. عيادتي ستكون مفتوحة لتقديم الدعم النفسي والتوجيه لكل شاب يشعر بالضياع قبل أن تجره اليد السوداء إلى مستنقعها.
أما فارس، فقد ضرب بكفه على الطاولة بقوة وثقة، وقال: الشباب يملكون طاقة هائلة، إن لم نجد لهم ميداناً يفرغون فيه هذه الطاقة، فستبتلعهم الشوارع. سأفتح أبواب المزرعة، وسأجعل من تدريب الخيول وركوبها ملاذاً مجانياً لأبناء قريتنا؛ فالخيل لا تُعلّم الفروسية فقط، بل غرس الصبر، والعزة، والكرامة التي تحميهم من الانقياد.
ابتسم فريد العمري، وهو يداعب قلم رصاص بين أصابعه، وقال بنبرة ملؤها الشجن: والكلمة والريشة هما السلاح الروحي. سنقيم جداريات في كل زاوية مشوهة في البلدة، نحول الجدران الصامتة إلى لوحات تنبض بالسلام والحياة، وسأطلق ورشات للكتابة الإبداعية ليعبر الشباب عن غضبهم بالكلمة لا بالرصاص.
أما مؤيد، فقد ركز بنظراته الذكية وبدأ يتحدث بلغة الأرقام والتنظيم: علينا ألا نعمل في الفراغ. أنا سأتولى التنسيق مع المجلس المحلي والوزارات المختصة لتأمين الدعم المادي واللوجستي. سنطالب بمراكز تكنولوجية وثقافية تحتضن عقول هؤلاء الشباب وتوفر لهم آليات العصر.
نظرتُ إليهم جميعاً، وأنا أشعر بجرعة من الأمل تسري في عروقي. بصفتي خليل، طبيب العيون، كنت أعلم أن مهمتي ومهمتنا جميعاً هي إعادة "البصيرة" لمجتمع غشي عيونَه ظلام العنف. قلت لهم: إذن، الخطة واضحة. لن ننتظر المعجزات، سننزل إلى الميدان ونبدأ باقتلاع الأشواك وزراعة الورود، وليكن كل منا منبراً في مجاله.
ولم نضع الوقت، بل تحولنا من التخطيط إلى التنفيذ فوراً. انطلق كل منا في ميدانه كخلية نحل لا تهدأ.
بدأ فارس فتح أبواب مزرعته واستقبل عشرات الشباب الذين كانوا يقضون أوقاتهم في التسكع على أرصفة الضياع، يعلمهم لغة الخيل وكيف تمنح الصبر والأنفة. وفي الوقت نفسه، كان فريد العمري يقود مجموعة من الفتية والفتيات، وبأيديهم الفرشاة والألوان، يحولون الجدران الإسمنتية الكئيبة في شوارع البلدة إلى جداريات ملونة تنبض بالحياة، وتدعو إلى المحبة والسلام. أما مؤيد فقد نجح بعد جولات مكوكية بين أروقة المجلس المحلي والوزارات في انتزاع موافقة لتمويل أول مركز تكنولوجي وثقافي للشباب، بينما كانت عيادة عبلة ومبادرتي أنا خليل لفحص العيون والتوعية الصحية، بمثابة حضن دافئ لكل عائلة أرهقها الخوف.
بدأ المجتمع يتنفس الصعداء، وبدأت ملامح الهدوء تعود رويداً رويداً إلى حاراتنا، وكأن الأرض بدأت تلفظ شوكها. لكن هذا الحراك النبيل لم يعجب الذين يعيشون على خراب العقول ودمار النفوس. "اليد السوداء" التي كانت تريد مجتمعاً فريسة سهلة، شعرت بأن البساط يسحب من تحت أقدامها.
جاء التهديد الأول عبر رسائل مجهولة وصلت إلى هواتفنا، تحمل وعيداً بالدمار إن لم نتوقف. ثم تحول التهديد إلى فعل غادر؛ ففي إحدى الليالي، امتدت يد الآثام لتشوه جداريات فريد بالطلاء الأسود، وكسروا بعض معدات المركز التكنولوجي الذي كان مؤيد يجهزه، بل وحاولوا إشعال حريق في أطراف مزرعة الخيول التابعة لفارس.
التم شملنا في الليلة ذاتها. كان الغضب يعصف بصدورنا، لكن الخوف لم يجد له مكاناً بيننا. نظر إلينا فريد وقال وهو يمسح بقايا الطلاء الأسود عن كفيه: يريدون منا أن نعود إلى الظلام، لكنهم لا يعلمون أن من تذوق طعم النور لا يمكن أن يغمض عينيه مجدداً. وقالت عبلة وعيناها تلمعان بالإصرار: إذا تراجعنا الآن، سنثبت لهم أن الشوك أقوى من الورد، ونحن لن ننكسر.
بدل أن نتراجع، كان الهجوم الغادر بمثابة الوقود الذي أشعل العزيمة في قلوب أهل البلدة جميعاً. انقلب السحر على الساحر؛ إذ هبّ عشرات الآباء والشباب لحراسة المزرعة والمركز التكنولوجي تطوعاً. ونزل الأطفال والنساء إلى الشوارع ليعيدوا رسم الجداريات التي طمست، وأصبح المجتمع بأكمله هو الدرع الحامي لشبابه.
أدركت "اليد السوداء" أن قوتها تكمن في تفرّقنا، وأنه حين يلتف المجتمع حول فكرة الخير، تصبح قوى الشر عاجزة ومعزولة. تراجعت خفافيش الليل، وسقطت هيبتها أمام وحدة الصف وإرادة الجيل الشاب الذي رفض الانقياد.
وقفنا جميعاً يوم افتتحنا المركز التكنولوجي، وكانت خيول فارس تتهادى في الأفق، واللوحات على الجدران تتحدى الشمس. نظرتُ إلى الوجوه المستبشرة، والتفتّ إلى أصدقائي قائلاً بفخر: لقد اقتلعنا الشوك بأيدينا.. واليوم، نزرع مكانه حقولاً من السنابل والخير، لأننا آمنّا.. ومن يؤمن بالخير لا ينهزم أبداً.
