logo

مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي

بقلم: سليم السعدي
20-05-2026 11:52:01 اخر تحديث: 24-05-2026 04:37:02

حين نعود إلى القرآن بعيدًا عن ضجيج التعصب والمذاهب والصراعات، نكتشف حقيقة عميقة طالما غابت عن كثيرين: الإسلام لم يبدأ كاسم معلق بزمن معين أو قومية محددة، بل هو طريق التوحيد الذي سار عليه الأنبياء منذ فجر البشرية.

صورة شخصية

فالقرآن لا يقدّم النبي محمد ﷺ كمؤسس لدين جديد منفصل عن الماضي، بل كخاتم لسلسلة ممتدة تبدأ من آدم، وتمر بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. ولهذا جاء الخطاب الإلهي واضحًا: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا﴾.

هذه الآية وحدها تهدم كثيرًا من التصورات الضيقة التي حصرت الإسلام في إطار تاريخي أو مذهبي محدود. فاسم “المسلمين” لم يولد بعد ظهور أمة معينة، بل هو وصف لكل من استسلم لله ووحّده واتبع طريق الحق والعدل.

لقد كان إبراهيم عليه السلام رمزًا للتحرر الفكري والروحي، وقف وحده في وجه الوثنية والكهنة والطغيان، وكسر الأصنام قبل أن يكسرها الحجر في العقول. ولذلك جعله القرآن النموذج الأعلى للحنيفية؛ أي الميل عن الباطل إلى الحق الخالص.

الإسلام الحقيقي ليس تجارة شعارات، ولا مظاهر متشددة، ولا صراعات على من يحتكر الله. الإسلام الحقيقي هو أن يكون الإنسان صادقًا وعادلًا ونظيف القلب واليد واللسان. أن يقف مع الحق ولو خسر الدنيا، وأن يرفض الظلم ولو ارتكبه الأقربون.

لقد تحوّل الدين عند كثير من الناس إلى هوية صدامية بدل أن يكون مشروعًا أخلاقيًا ينهض بالإنسان. فغابت الرحمة وحضر التكفير، وغاب العقل وحضر التعصب، حتى أصبح البعض يدافع عن الطائفة أكثر مما يدافع عن القيم التي جاء بها الأنبياء.

إن العودة إلى ملة إبراهيم تعني العودة إلى جوهر التوحيد النقي: لا وسطاء بين الإنسان وربه، ولا تقديس للبشر، ولا عبودية إلا لله وحده. وتعني أيضًا إعادة بناء الأخلاق والعدل والرحمة كقلب حقيقي للدين، لا كزينة خطابية.

فالإسلام الذي يريده الله ليس مجرد اسم نحمله، بل حقيقة نعيشها. وليس المسلم من يرفع الشعار فقط، بل من يجعل من الصدق والعدل والرحمة طريقًا له في الحياة.

وهكذا يبقى الإسلام الحقيقي أوسع من حدود الطوائف، وأقدم من الصراعات السياسية، وأعمق من كل محاولات التشويه… لأنه ببساطة: ملة إبراهيم الحنيف.