logo

‘ وغَفَتْ هديل ‘ - قصّة للكبار والصغار : زهير دعيم

موقع بانيت وقناة هلا
03-01-2026 09:51:53 اخر تحديث: 06-05-2026 05:03:02

في بيت صغير ٍيقع عند أطراف قرية بعيدة ونائية ، كانت تعيش هديل اليتيمة ، طفلة في التاسعة من عمرها ، بوجهٍ كالقمر، وعينين يلمع فيهما الأملُ رغم الفقر الشّديد .

صورة شخصية

كان بيتُها الصغير مُشقّقًا ، مُهدَّمًا ، يفتقدُ الى مدفأةٍ تدفئ يديها الصّغيرتين ، والى بطانية سميكة تلفُّ جسمها النحيف .
كانت أمّها تعمل طوال النهار، تخدم في بيوت البلدة ، وتعود مساءً تحمل معها القليل من الخبز والخضار ، وبعض الحكايات تقصّها بدفء عليها ، لعلّها تُخفّف من وطأة كانون الثاني وبرده القاسي .

وكانت هديل في كلّ ليلة تعانق امّها ، وهي تغفو في حضنها وتقول : أُحبّك يا أُمّي... أُحبُّكِ وأكثر . فأنت الدفءُ والحنان . وأنت الخبزُ والأمان ، ونغم الحُبّ والكَمان . 

في إحدى الليالي الباردة جدًّا ، سقط المطر بقوة ، وسرى البَّرْدُ في والدّروب والازقة ، وبدأَ يتسلّل عبْرَ أبواب الخشب العتيقة ، في حين راحتِ الرّيحُ تعوي كذئبٍ جائع .          

قبّلَتْ هديل المريضة بالإنفلونزا اُمّها بحرارة ، ثمَّ احتضنت نفسها ، ولفّت ذراعيْها حولَ جسدِها الضّعيفِ ، ودخلت تحتَ الغطاء الرّقيق ، وابتسمتْ رغم القشعريرة ... ابتسمتْ وهي تقولُ لأمّها : لا تقلقي يا أمّي ، فالمطر يغنّي لي ، وأنا أحبُّ صوته ، اطمئني... فنفسي دافئة تُحبُّكِ وتحبُّ الله . 

أجابت الأم والدّمعة في عينيها : كيف لا اقلق يا صغيرتي وأنت مريضة وبردانة ؟ صدّقيني إنّي - والربّ يعلمُ - أحبُّكِ بل أحبّك جدًّا ، ولكن سامحيني لأنّني لا أملكُ غيرَ حِضني .

في تلك الليلة ، نامت هديل ...  

نامت وهي تحتضنُ البرْدَ ، وتحلمُ ببيت دافئ ، ومدفأةٍ وأحذيةٍ لا تُبلَّلُ بالماء .  

نامت كطفلةٍ بريئة ... لكنَّ الحزنَ لفَّ قلبَها الصغيرَ بغطاءٍ من صمتٍ وأمل .

وفي الصباح ، لم تستيقظْ هديل.  

كانتْ تبتسمُ وهي نائمة ...  

كأنّها رأت في حلمِها شمسًا تُشرق ، وأجنحة من دفءٍ تحيطها .  

غفتْ هديلُ إلى الأبد ، غفت لتبقى قصتُّها همسةً في أذُنِ المطر، وصرخةً في وجهِ الفقر والظُّلم .

      غَفَت ولم يَغْفُ صوْتُ أُمّها .... !ّ!!